(تمهيد) المراد بقولنا قيام الأئمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم في الأمة أي في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وبدهي أن الأئمة ليس لهم شيء وراء ذلك مما اختص به الأنبياء عليهم السلام كالوحي والعصمة من الذنوب والكفر والعصمة من أن يُقَرُّوا على خطأ، هذا هو مذهب أهل السنة خلافا للرافضة الذين يدينون بعصمة الأئمة، وهو قول باطل لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ) النساء: 59، وهذا النص يدل على بطلان عصمة الأئمة من ثلاثة أوجه، أحدها: عدم إفرادهم بطاعة مستقلة بل جعل طاعتهم تابعة لطاعة الله ورسوله وذلك لعدم تكرار الفعل (وأطيعوا) معهم، والثانى: دلت الآية على جواز منازعة ولاة الأمور ولو كانوا معصومين لما جازت منازعتهم، والثالث: جعلت الآية الرد عند التنازع إلى قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم فدلت على أن العصمة فيهما ولاعصمة وراء ذلك وأن ماعدا قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم يحتمل القبول والرد، وماكان كذلك فغير معصوم.
بعد هذا التمهيد نعود إلى المقصود من المسألة، فنقول:
قال الماوردي رحمه الله [الإمامة موضوعة لخلافة النُّبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا] [1] .
ويدل على هذا التعريف أدلة منها:
1 -قول النبي صلى الله عليه وسلم (إن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبيٌ خَلَفَهُ نبيٌ، وإنه لانبي بعدي، وستكون خلفاء فيكثرون) قالوا: يارسول الله فما تأمرنا؟. قال: (أوفوا ببيعة الأول فالأول ثم أعطوهم حقهم، واسألوا الله الذي لكم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم) [2] .
وهذا الحديث يشير إلى أن الخلفاء يقومون مقام الأنبياء في سياسة الرعية، إذ قد بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن سياسة الرعية كانت من شأن الأنبياء في بني إسرائيل، نبى ٍ بعد نبي، ثم بيّن أنه لا نبي بعده وإنما خلفاء، إشارة منه إلى قيام الخلفاء مقامه صلى الله عليه وسلم في سياسة الرعية وغيرها من واجبات الدين.
2 -عن جبير بن مُطعم رضي الله عنه قال أتَتِ النبي صامرأةٌٌ فكلمته في شيء، فأمرها أن ترجع إليه، قالت: يارسول الله أرأيت إن جئت ولم أجِدْك - كأنها تريد الموت - قال (إن لم تجدينى فَاتِي أبا بكر) [3] . وفيه إشارة ضمنية إلى استخلاف أبي بكر، وإن كان الجمهور على أن خلافته انعقدت بإجماع الصحابة لا بالنص. ويدل الحديث على قيام الخليفة في الأمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم، إذ أحال النبيُّ صلى الله عليه وسلم المرأة على خليفته من بعده.
3 -وروى البخاري عن طارق بن شهاب عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال لوفد بُزاخة (تَتْبعون أذناب الإبل حتى يُرِيَ اللهُ خليفة نبيِّه صلى الله عليه وسلم والمهاجرين أمرًا يعذرونكم به) [4] . ودلالته في تسمية أبي بكر - وهو الإمام - نفسه بخليفة النبي صلى الله عليه وسلم، وخليفة المرء هو من قام مقامه.
وقولنا قيام الأئمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم في الأمة يشبه قولنا بقيام العلماء مقامه صلى الله عليه وسلم في الأمة للحديث (العلماء ورثة الأنبياء) . فالأئمة يقومون مقامه صلى الله عليه وسلم في حراسة الدين وسياسة الدنيا، والعلماء يقومون مقامه في تبليغ الدين وتعليم الجاهل وإفتاء السائل. وليس لأحد بعده صلى الله عليه وسلم عصمة أو حق في التشريع.
(1) (الأحكام السلطانية) ص 5
(2) متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه
(3) رواه البخاري (حديث 7220)
(4) (حديث 7221)