فهرس الكتاب

الصفحة 375 من 1285

المسألة الخامسة: مايجب على المستفتي إذا تعدّد المفتون المؤهلون؟

إذا تعدّد المفتون المؤهلون عند المستفتي فلا يخلو الأمر من أحد حالين:

الأول: أن يكون قد اطلع على أقوالهم في مسألته، والتي قد تكون متفقة أو مختلفة، وهذا الحال ليس هو موضوع بحثنا هنا، وسيأتي بحثه إن شاء الله في المسألة السادسة عشرة (مايفعل المستفتي إذا اختلف عليه مفتيان فأكثر؟.) .

الثاني: ألا يكون قد اطلع على أقوالهم، وأراد استفتاء أحدهم، فهل يجب عليه البحث في أحوالهم ليستفتي الأعلم والأورع منهم أم هو مخير في أن يستفتي أيهم شاء؟. وهنا أيضا لايخلو حال المستفتي من أحد أمرين: إما أن يكون قد علم الأوثق منهم أو لم يعلم. وسنذكر فيما يلي أقوال العلماء في المسألة ثم نذكر مانرجحه منها.

1 -قال الغزالي رحمه الله] إذا لم يكن في البلدة إلا مفت واحد وجب على العامي مراجعته، وإن كانوا جماعة فله أن يسأل من شاء ولايلزمه مراجعة الأعلم، كما فُعل في زمان الصحابة، إذ سأل العوام الفاضل والمفضول ولم يُحجر على الخلق في سؤال غير أبي بكر وعمر وغير الخلفاء. وقال قومٌُ: تجب مراجعة الأفضل، فإن استووا تخيَّر بينهم. وهذا يخالف إجماع الصحابة إذ لم يحجر الفاضل على المفضول الفتوى، بل لاتجب إلا مراجعة من عرفه بالعلم والعدالة، وقد عُرف كلهم بذلك [[1] . فاختيار الغزالي أن المستفتي مخير في استفتاء من شاء من المفتين، ولايجب عليه استفتاء أفضلهم، عَلِمَه أو لم يعلمه، ماداموا جميعا مستوفين لأهلية الإفتاء من العلم والعدالة.

2 -وقال الآمدي رحمه الله]إذا حدثت حادثة، وأراد الاستفتاء عن حكمها.

فأما أن يكون في البلد مفت واحد، أو أكثر.

فإن كان الثاني، فقد اختلف الأصوليون.

فمنهم من قال لايتخير بينهم حتى يأخذ بقول من شاء منهم، بل يلزمه الاجتهاد في أعيان المفتين من الأورع والأدين والأعلم وهو مذهب أحمد بن حنبل وابن سريج والقفال من أصحاب الشافعي وجماعة من الفقهاء والأصوليين، مصير منهم إلى أن قول المفتين في حق العامي ينزل منزلة الدليلين المتعارضين في حق المجتهد وكما يجب على المجتهد الترجيح بين الدليلين، فيجب على العامي الترجيح بين المفتين، إما بأن يتحفظ من كل باب من الفقه مسائل ويتعرف أجوبتها ويسأل عنها فمن أجابه أو كان أكثر إصابة اتبعه، أو بأن يظهر له ذلك بالشهرة والتسامع ولأن طريق معرفة هذه الأحكام إنما هو الظن، والظن في تقليد الأعلم الأدين أقوى فكان المصير إليه أولى.

وذهب القاضي أبو بكر وجماعة من الأصوليين والفقهاء إلى التخيير والسؤال لمن شاء من العلماء، وسواء تساووا أو تفاضلوا، وهو المختار.

ويدل على ذلك أن الصحابة كان فيهم الفاضل والمفضول من المجتهدين فإن الخلفاء الأربعة كانوا أعرف بطريق الاجتهاد من غيرهم، ولهذا قال عليه السلام «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ» وقال عليه السلام «أقضاكم علي، وأفرضكم زيد، وأعرفكم بالحلال والحرام معاذ ابن جبل» وكان فيهم العوام ومن فرضه الاتباع للمجتهدين والأخذ بقولهم لا غير. ومع ذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة والسلف تكليف العوام الاجتهاد في أعيان المجتهدين، ولا أنكر أحد منهم اتباع المفضول والاستفتاء له مع وجود الأفضل ولو كان ذلك غير جائز لما جاز من الصحابة التطابق على عدم إنكاره والمنع منه، ويتأيد ذلك بقوله عليه السلام (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم

(1) (المستصفى) ج 2 ص 390 - 391

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت