فهرس الكتاب

الصفحة 374 من 1285

أجابه قلده قال وهذا أصح المذاهب. وجزم الشيخ أبو اسحق الشيرازي بأنه يكفيه خبر العدل الواحد عن فقهه وأمانته لأن طريقه طريق الاخبار انتهى [[1] .

وحاصل ما ذكره النووي والشوكاني - بعدما ذكرا الأقوال المختلفة في المسألة - أن طريق المستفتي لمعرفة المؤهل هو بالسؤال عنه، فيسأل عنه أهل الخبرة من أهل العلم والورع لا العامة لالتباس الأمور عليهم، وأنه يكفيه في هذا خبر العدل الواحد ولاتشترط الاستفاضة ولا التواتر فإن وُجِداَ فهذا مما يقوي الخبر وليس شرطا في صحته. وهذا هو مانرجحه في هذه المسألة، ويشهد لذلك ما رُوِيَ عن مالك رحمه الله أنه قال]ماأفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك [وفي رواية قال] ماأفتيت حتى سألت من هو أعلم مني هل يراني موضعا لذلك [[2] . وترجيحنا لهذا القول لاينفي صحة ماعداه خاصة إخبار المفتي عن نفسه إنه أهل للفتوى ويشهد لذلك قوله تعالى - حكاية عن يوسف عليه السلام - (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) يوسف: 55، وقول عبدالله بن مسعود رضي الله عنه (والله لقد علم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أني من أعلمهم بكتاب الله) [3] ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه أيضا (والله الذي لا إله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين نزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيمن أنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه) [4] .

فإخبار الشخص الموثوق بدينه إنه أهل للفتوى معتبر مقبول.

فهذا ما يتعلق بكيفية معرفة المستفتي بالمفتي المؤهل، وقد تبيّن لك أن مجرد انتصاب رجل للإفتاء لا يعني أنه أهل لذلك، فالمنصب لايجعل من ليس أهلًا أهلًا، كما يفعله الحكام الطواغيت اليوم حيث ينصب كل منهم مفتيًا في بلده يجاريه في أهوائه ويسبغ عليه الشرعية، وكما تفعله كثير من الجماعات الإسلامية اليوم من إسناد الفتوى إلى أمرائها دون النظر في أهليتهم الشرعية. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله] والمنصب والولاية لايجعل من ليس عالمًا مجتهدًا، عالما مجتهدًا، ولو كان الكلام في العلم والدين بالولايات والمنصب لكان الخليفة والسلطان أحق بالكلام في العلم والدين وبأن يستفتيه الناس ويرجعوا إليه فيما أشكل عليهم من العلم والدين [[5] . وقال تلميذه ابن القيم رحمه الله]وهذا الضرب إنما يُستفتون بالشكل لا بالفضل، وبالمناصب لا بالأهلية، قد غرهم عُكُوف مَنْ لاعلم عنده عليهم، ومسارعة أجهل منهم إليهم، تعجُّ منهم الحقوق إلى الله تعالى عجيجا، وتضج منهم الأحكام إلى من أنزلها ضجيجًا. فمن أقدم بالجرأة على ماليس له بأهل من فتيا أو قضاء أو تدريس، استحق اسم الذم، ولم يحل قبول فتياه ولاقضائه، هذا حكم دين الإسلام [[6] .

(1) (ارشاد الفحول) ط 1، ص 252. وأنبه على أنه يوجد سقط بالأصل بعد قول الشوكاني (وممن صرح بذلك صاحب ... )

(2) ذكره النووي في (المجموع) ج 1 ص 41، نقلا عن الخطيب البغدادي رحمهم الله

(3) الحديث رواه البخاري (رقم 5000)

(4) رواه البخاري (حديث 5002)

(5) إلى آخر ما قاله. (مجموع الفتاوي) ج 27 ص 296 - 297

(6) (اعلام الموقعين) ج 4 صـ208

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت