فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 1285

يجوز اشتغال المسلم بفرض الكفاية من العلم: بشرطين:

الأول: ألا يؤدي اشتغاله بفرض الكفاية إلى تضييع فرض عين عليه. للإجماع على وجوب تقديم أداء فرض العين على فرض الكفاية.

روى الخطيب البغدادي بإسناده عن الإمام مالك رحمه الله قال: [إن طلب العلم لحسنٌُ، وإن نشره لحسنٌُ إذا صحت فيه النية، ولكن انظر مايلزمك من حين تصبح إلى حين تمسي فلا تؤثرن عليه شيئا] [1] .

الشرط الثاني: ألا يؤدي اشتغاله بفرض الكفاية من العلم إلى تضييع فرض كفاية أهم وأولى.

وإليك أقوال بعض العلماء في النص على هذه الشروط

1 -تكلم العلامة القرافي المالكي رحمه الله في هذه المسألة - مسألة تعارض الواجبات وما يُقدّم منها وما يؤخر فقال - إن هذا -[مبني على معرفة قاعدة في الترجيحات، وضابط ماقدَّمه الله تعالى على غيره من المطلوبات، وهي أنه إذا تعارضت الحقوق قُدِّم منها المضيَّق على الموسَّع، لأن التضييق يُشعِر بكثرة اهتمام صاحب الشرع بما جعله مُضَيَّقا، وأن ما جوَّز له تأخيره وجعله موسعا عليه دون ذلك.

ويقدم الفَوْري على المتراخي لأن الأمر بالتعجيل يقتضي الأرجحية على ما جعل له تأخيره.

ويقدم فرض الأعيان على الكفاية و لأن طلب الفعل من جميع المكلفين يقتضي أرجحية ما طلب من البعض فقط، ولأن فرض الكفاية يعتمد عدم تكرر المصلحة بتكرر الفعل، والفعل الذي تتكرر مصلحته في جميع صوره أقوى في استلزام المصلحة من الذي لاتوجد المصلحة معه إلا في بعض صوره.

ولذلك يُقدم مايُخشى فواته على مالا يُخشى فواته وإن كان أعلى رتبة منه] [2] .

2 -وتكلم أبو حامد الغزَّالي رحمه الله في هذه المسألة، وهي شروط الاشتغال بفروض الكفاية، وذلك في كلامه عن المناظرة الفقهية - وهي من فروض الكفاية العلمية - فقال رحمه الله في شروط الاشتغال به:

[الأول: أن لايشتغل به وهو من فروض الكفايات من لم يتفرغ من فروض الأعيان، ومن عليه فرض عين فاشتغل بفرض كفاية وزعم أن مقصده الحق فهو كذاب. ومثاله من يترك الصلاة في نفسه ويتجرد في تحصيل الثياب ونسجها ويقول غرضي أستر عورة من يصلي عُريانا ولايجد ثوبا - إلى أن قال - فلا يكفي في كون الشخص مطيعا كون فعله من جنس الطاعات مالم يٌراع فيه: الوقت والشروط والترتيب.

الثاني: أن لايرى فرض كفاية أهم من المناظرة فإن رأي ماهو أهم وفعل غيره عصى بفعله وكان مثاله مثال من يرى جماعة من العطاش أشرفوا على الهلاك وقد أهملهم الناس وهو قادر على إحيائهم بأن يسقيهم الماء فاشتغل بتعلم الحجامة، وزعم أنه من فروض الكفايات ولو خلا البلد عنها لهلك الناس وإذا قيل له في البلد جماعة من الحجامين وفيهم غنية فيقول هذا لايخرج هذا الفعل عن كونه فرض كفاية. فحال من يفعل هذا ويهمل الاشتغال بالواقعة الملمة بجماعة العطاش من المسلمين كحال المشتغل بالمناظرة وفي البلد فروض كفايات مهملة لاقائم بها.] [3] .

وكرّر أبو حامد الغزالي هذا المعنى في موضع آخر، في معرِض كلامه عن نشر العلم، حيث قال [فحق على كل مسلم أن يبدأ بنفسه فيُصلحها بالمواظبة على الفرائض وترك المحرمات، ثم يُعلِّم ذلك أهل بيته، ثم يتعدى بعد الفراغ منهم إلى جيرانه، ثم إلى أهل محلته، ثم إلى أهل بلده - إلى قوله - وهكذا إلى أقصى العالم، فإن قام به الأدنى سقط عن الأبعد - إلى أن قال - ولايتقدم على هذا إلا فرض عين أو فرض كفاية هو أهم منه] [4] .

3 -وتكلم ابن القيم رحمه الله في هذا الأمر، وبيَّن أن الاشتغال بطاعة مع ترك طاعة أهم وأولى وأعلى منزلة ً أن هذا من تلبيس الشيطان على العبد بشَغْلِهِ بالمفضول عن الفاضل وبالمرجوح الفضل عن الراجح ليضيِّع على العبد ثواب العمل الراجح.

(1) (الفقيه والمتفقه) 1/ 46، وذكره الغزالي في (الإحياء) 1/ 79

(2) (الفروق) ج 2 ص 203

(3) (إحياء علوم الدين) ج 1 ص 56

(4) (إحياء علوم الدين) ج 2 ص 371

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت