فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 1285

ويدلّ على هذا:

1 -قول الله عز وجل (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) المائدة: 67. وقال النبي صلى الله عليه وسلم (إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يُوَرِّثُوا دينارًا ولا درهما، وإنما ورَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍ وافر) [1] .

دلّت الآية على وجوب البلاغ على النبي صلى الله عليه وسلم، ودلّ الحديث على أن العلماء ورثة علم النبي صلى الله عليه وسلم. فيجب عليهم من البلاغ ماوجب عليه، ولقوله صلى الله عليه وسلم (ليبلِّغ الشاهد الغائب) [2] . والعلماء شهود علم النبي صلى الله عليه وسلم في كل عصر فوجب عليهم البلاغ.

2 -قول الله تعالى (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) الأنعام: 151 - 153.

قال القرطبي رحمه الله [هذه الآية أمر من الله تعالى لنبيِّه عليه السلام بأن يدعو جميع الخلق إلى سماع تلاوة ماحرّم الله. وهكذا يجب على من بعده من العلماء أن يبلِّغوا الناس ويبيِّنوا لهم ماحرّم الله عليهم مما حَلّ] [3] .

3 -قول الله عز وجل (وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) آل عمران: 187.

الآية تدل على وجوب تبليغ العلماء للعلم وبيانه وإظهاره، بالميثاق الذي أخذه الله على أهل العلم وأكّده بتوكيدين باللام والنون (لَتُبَيِّنُنَّهُ) . قال القرطبي رحمه الله [قوله تعالى (وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) ، وهذا متصل بذكر اليهود، فإنهم أُمِروا بالإيمان بمحمد عليه السلام وبيان أمره، فكتموا نعته، فالآية توبيخ لهم، ثم مع ذلك هو خبر عام لهم ولغيرهم. قال الحسن وقتادة: هي في كل مَن أوتى عِلم شيء من الكتاب، فمن علم شيئا فليُعلِّمه وإياكم وكتمان العلم فإنه هلكة. وقال محمد بن كعب: لايحلّ لعالم أن يسكت على علمه ولاللجاهل أن يسكت على جهله] [4] .

4 -قول الله عز وجل (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) البقرة: 159.

قال القرطبي رحمه الله [أخبَرَ الله تعالى أن الذي يكتم ماأنزل الله من البينات والهدى ملعون. واختلفوا في المراد بذلك، فقيل: اليهود ورهبان النصارى الذين كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وقد كتم اليهود أمر الرجم. وقيل: كل من كتم الحق، فهي عامة في كل من كتم علمًا من دين الله يُحتاج إلى بَثِّه - إلى أن قال - وبها استدل العلماء على وجوب تبليغ العلم الحق، وتبيان العلم على الجملة، دون أخذ الأجرة عليه، إذ لايستحق الأجرة على ماعليه فِعله، كما لايستحق الأجرة على الإسلام] [5] .

ويدل على صحة الاستدلال هذه الآية على وجوب تبليغ العلم وتحريم كتمانه، وأن العبرة بعموم اللفظ لابخصوص السبب: استدلال الصحابة رضي الله عنهم بها كما في الأحاديث التالية:

5 -روى البخاري رحمه الله بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن الناس يقولون: أكثرَ أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدَّثت حديثا، ثم يتلو «إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات - إلى أن قال - الرحيم» .) [6] .

قال ابن حجر رحمه الله: [قوله «أكثر أبو هريرة» أي من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صرّح به المصنف في البيوع - إلى قوله «ولولا آيتان» ومعناه: لولا أن الله ذمَّ الكاتمين للعلم ماحدَّث أصلا، لكن لما كان الكتمان حراما وجب الإظهار، فلهذا حصلت الكثرة لكثرة ماعنده] [7] .

(1) رواه أبوداود والترمذي وصححه ابن حبان

(2) متفق عليه

(3) (تفسير القرطبى، 7/ 131)

(4) (تفسير القرطبي، 4/ 304)

(5) (تفسير القرطبى، 2/ 184 - 185)

(6) الحديث (رقم 118)

(7) (فتح الباري، 1/ 213 - 214)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت