للمفتي في إفتائه مع غيره حالان: أن يبدأ غيره بالفتوى ويُطلب منه الفتوى معه، أو أن يبدأ هو بالفتوى ويُطلب منه أن يدل على غيره ليفتي معه. وإليك بيان مايفعله في الحالين.
الحال الأولى: أن يبدأ غيره بالفتوى ثم يُطالب بالإفتاء معه.
وفي هذه الحال لايخلو مَنْ أفتى قبله من حال من ثلاث: إما أن يكون أهلًا للفتوى، وإما أن لايكون أهلا لها، وإما أن يكون مجهول الحال لايعرفه هذا المفتي.
1 -فإذا كان من أفتى قبله أهلا للفتوى.
فلا يخلو جوابه من حال من أربعة:
أ - أن يكون صوابا موفقا لما عند المفتي المسئول: فهنا إما أن يكتب المفتي المسئول بموافقته وإقراره لهذا الجواب وهو مايسمى بكَذْلَكَة المفتي (ومعناها: كذلك أُفتي) ، وإما أن يكتب جوابا مستقلا. والذي ذهب إليه معظم من تكلموا في هذه المسألة أن الأَوْلى له الكذلكة بأن يكتب تحت فتوى الأول: هذا جواب صحيح وبه أقول أو يكتب جوابي مثل هذا. وإنما رجح العلماء الكذلكة على الجواب المستقل لأن فيها إعانة على البر والتقوى وشهادة للمفتي الأول بالصواب وبراءة من الحميّة والكبر.
واستثنى ابن القيم من الكذلكة ما إذا كانت المسألة خفيّة بحيث يُظن بالمكذلك أنه وافق من قبله تقليدًا محضًا، فإن أمكنه إيضاح ماأشكله الأول وزيادة بيان أو ذكر قيد أو تنبيه على أمر ٍ أغفله فالجواب المستقل أولى، وإن لم يمكنه ذلك فإن شاء كَذْلَكَ وإن شاء أجاب استقلالا.
ب - أن يكون جواب من قبله خطأ قطعا: فينبغي أن ينبه على هذا الخطأ ثم يكتب الجواب الصواب، ويحسن أن تعاد الرقعة إلى المفتي الأول ليتنبه للخطأ.
جأن يكون جواب من قبله على خلاف مايراه غير أنه لايقطع بخطئه: فليقتصر على كتب جواب نفسه ولايتعرض لفتيا غيره بتخطئه ولا اعتراض.
د - أن لايعلم المفتي أصواب جواب من قبله أم خطأ لعدم علمه بحكم المسألة؟. فلا يجوز له أن يُكذلك تقليدًا له إذ لعله أن يكون قد غلط، ولو نُبِّه لرجع وهو معذور وليس المكذلك معذورًا بل مُفْت ٍ بغير علم، وقد أجمع العلماء على تحريم الإفتاء بغير علم. فالواجب على المفتي الثاني أن يمتنع عن الجواب أو يقول لا أدري أو لا أعلم كما ذكرناه في المسألة السابقة، أو يؤخر الجواب إن كان يرجو إدراك علم المسألة بالنظر في كتبه.
فهذا مايتعلق بما يصنعه المفتي الثاني في الأحوال المختلفة لجواب المفتي الأول إن كان الأول أهلًا للفتوى.
2 -فإذا كان من أفتى قبله ليس أهلا للفتوى.
فلا يجوز أن يكذلك الثاني، لأن في كذلكته تقريرًا له على الإفتاء وهو كالشهادة له بالأهلية، وهو ليس بأهل وقد أتى منكرًا بفتواه بغير علم فلا يجوز إقرار المنكر ولاتجوز معاونته على الإثم والعدوان.
وزاد بعض العلماء أن على المفتي الثاني أن يضرب على فتوى الأول غير الأهل، وأن ينتهر المستفتي ويزجره على عدم تحريه عمن هو أهل للفتوى وعلى استفتائه غير الأهل.
كما ذهب بعض العلماء كابن الصلاح والنووي تبعا للصيمري أن على الثاني أن يمتنع عن الجواب في الرقعة التي بها فتوى غير الأهل، مالم يخش فتنة فيكتب جوابه مستقلا. وذهب ابن القيم إلى وجوب الجواب مطلقا، قال] ولايأنف