فهرس الكتاب

الصفحة 333 من 1285

هذه المسألة متعلقة بالسابقة، فإن تفصيل الجواب متضمن لعدم إلقاء المستفتي في الحيرة، وإنما أفردنا هذا بمسألة مستقلة للتنبيه عليه.

قال ابن الصلاح] إذا اقتصر في جوابه على حكاية الخلاف بأن قال: فيها قولان أو وجهان، أو نحو ذلك من غير أن يبين الأرجح، فحاصل أمره أنه لم يفت بشئ ٍ.

وأذكر أني حضرت بالموصل الشيخ الصدر المصنف أبا السعادات ابن الأثير الجزري رحمه الله، فذكر بعض الحاضرين عنده، عن بعض المدرسين: أنه أفتى في مسألة فقال: فيها قولان، وأخذ يُزري عليه.

فقال الشيخ ابن الأثير: كان الشيخ أبو القاسم بن البزري، وهو عَلاَّمة زمانه في المذهب إذا كان في المسألة خلاف واستفتي عنها يذكر الخلاف في الفتيا، ويقالُ له في ذلك، فيقول: لا أتقلد العهدة مختارًا لأحد الرَّأيين مُقتصرًا عليه، وهذا حيد عن غرض الفتوى، وإذا لم يذكر شيئا أصلا فلم يتقلد العهدة أيضا، ولكنه لم يأت بالمطلوب حيث لم يُخلص السائل من عمايته. وهذا في ذلك كذلك.- إلى أن قال - وهكذا إذا قال المفتي في موضع الخلاف: يُرجعُ إلى رأي الحاكم. فقد عدل عن نهج الفتوى، ولم يُفت أيضا بشئ، وهو كما إذا استفتي فلم يُجب، وقال: استفتوا غيري. وحضرتُ بالموصل شيخها المفتي أبا حامد محمد بن يونس، وقد استفتي في مسألة فكتب في جوابها: إن فيها خلافًا. فقال بعض من حضر: كيف يعمل المستفتي؟

فقال: يختار له القاضي أحد المذهبين، ثم قال: هذا يبنى على أن العامي إذا اختلف عليه اجتهاد اثنين فبماذا يعمل؟، وفيه خلاف مشهور. وهذا غير مستقيم - إلى قوله - فهذا فيه إحواج للمستفتي إلى أن يستفتي مرة أخرى ويسأل عن هذا أيضا، لأنه لايدري أن حكمه التخيُّر أو الأخذ بالأخف أو الأغلظ؟، فلم يأت إذن بما يكشف عن عَمَايته، بل زاده عماية وحَيْرة، على أن الصحيح في ذلك على ما سيأتي ذِكره إن شاء الله تعالى: إنه يجب عليه الأخذ بقول الأوثق منهما [[1] . ومعنى لفظ (أن حكمه التخيّر) - في كلامه السابق - أي ربما يظن المستفتي أن له أن يختار مايشاء من القولين الّذين ذكرهما له المفتي بقوله (فيها قولان) .

وتكلم ابن القيم في المسألة نفسها فقال] لايجوز للمفتي الترويج وتخيير السائل وإلقاؤه في الإشكال والحيرة، بل عليه أن يبين بيانا مزيلا للإشكال، متضمنا لفصل الخطاب، كافيا في حصول المقصود، لايحتاج معه إلى غيره، ولايكون كالمفتي الذي سئل عن مسألة في المواريث فقال: يقسم بين الورثة على فرائض الله عزوجل وكتبه فلان، وسئل آخر عن صلاة الكسوف فقال: تصلى على حديث عائشة، وإن كان هذا أعلم من الأول. وسئل آخر عن مسألة من الزكاة فقال: أما أهل الايثار فيخرجون المال كله، وأما غيرهم فيخرج القدر الواجب عليه، أو كما قال. وسئل آخر عن مسألة فقال: فيها قولان، ولم يزد.

قلت: وهذا فيه تفصيل، فإن المفتي المتمكن من العلم المضطلع به قد يتوقف في الصواب في المسألة المتنازع فيها فلا يقدم على الجزم بغير علم، وغاية مايمكنه أن يذكر الخلاف فيها للسائل، وكثيرًا مايسأل الإمام أحمد رضي الله عليه وغيره من الأئمة عن مسألة فيقول: فيها قولان، أو قد اختلفوا فيها، وهذا كثير في أجوبة الإمام أحمد لسَعَة علمه وورعه، وهو كثير في كلام الإمام الشافعي رضي الله عنه، يذكر المسألة ثم يقول: فيها قولان [[2] .

(1) (أدب المفتي) ص 130 - 134

(2) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 177 - 178

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت