القسم الأول: آداب المتعلِّم في نفسه
ويرد فيها جميع ما نقلناه عن النووي رحمه الله في آداب العالم في نفسه، في الفصل السابق، فلا داعي لتكراره هنا.
إلا أننا نخُصُّ من هذه الآداب أمورًا يحتاج إليها الطالب أكثر من غيره، وهى:
1 -الإخلاص:
سبق الكلام عنه في الآداب المشتركة بين العالم والمتعلم، فلا نعيده، ولكن نذكر هنا كلام الغزّالي في تذكير المتعلم بالإخلاص، قال رحمه الله [أن يكون قصد المتعلم في الحال: تحلية باطنه وتجميله بالفضيلة، وفي المآل: القرب من الله سبحانه والترقي إلى جوار الملأ الأعلى من الملائكة والمقربين، ولايقصد به الرئاسة والمال والجاه ومماراة السفهاء ومباهاة الأقران] [1] .
فإذا داخله شيء من فساد النية بادر بتصحيحه أثناء تعلّمه.
2 -تنزيه النفس عن المعاصي الظاهرة والباطنة.
قال الله عزوجل (وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ) الأنعام: 120، وقال تعالى (وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) الأنعام: 151، وقال تعالى (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) الأعراف: 33، فجعل الله المعاصي الظاهرة والباطنة سواء في التحريم وفي الأمر باجتنابها، فقد يهتم العبد بالتنزه عن المعاصي الظاهرة ويُغفل الباطنة وهى أشد فتكًا، وهذا من الغفلة وفيه شبهة رياء إذ اهتم بما يطلع عليه الناس من المعاصي الظاهرة وأغفل التنزه عن المعاصي الباطنة التي لايطلع عليها إلا الله تعالى. قال تعالى (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا) النساء: 108.
بعد هذا التمهيد نقول لطالب العلم خاصة - ولكل مسلم عامة - ينبغي أن تعلم أن اقتراف المعاصي مضاد للعلم النافع، فقد روى الخطيب البغدادي بإسناده عن ابن مسعود رضي الله عنه قال [إني لأحْسِبُ العبدَ ينسى العلم َ كان يعلمه بالخطيئة يعملها] [2] .
وقال النووي [وينبغي أن يطهِّر قلبه من الأدناس ليصلح لقبول العلم وحفظه واستثماره، ففي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهى القلب» . وقالوا: تطييب القلب للعلم كتطييب الأرض للزراعة] [3] .
ونقل النووي عن الشافعي رحمهما الله قوله [من أحب أن يفتح الله قلبه أو ينِوِّره فعليه بترك الكلام فيما لايعنيه، واجتناب المعاصي، ويكون له خبيئة فيما بينه وبين الله تعالى من عمل، وفي رواية: فعليه بالخلوة وقلة الأكل وترك مخالطة السفهاء وبُغض أهل العلم الذين ليس معهم إنصاف ولا أدب] [4] .
والتنزه عن المعاصي يشتمل على ماظهر منها ومابطن، الكبائر منها والصغائر.
فالمعاصي الظاهرة: منها معاصي اللسان من الغيبة والنميمة والسبّ والكذب، ومنها معاصي السمع والبصر، ومعاصي
(1) (إحياء علوم الدين) ج 1 ص 66
(2) (اقتضاء العلم العمل) للخطيب، ط المكتب الإسلامي 1397 هـ، ص 61
(3) (المجموع) ج 1 ص 35
(4) (المجموع) ج 1 ص 13