الفرج، وأكل الحرام والغش والظلم والخداع والبغي وغيرها.
والمعاصي الباطنة والتي كثيرًا مايغفل عنها الإنسان منها الرياء والكِبْر والعُجب والحسد وسوء الظن وحب المعاصي وحب العصاة والظّلمة وغيرها.
ومع التنزه عن المعاصي يكون التحلي بمحاسن الأخلاق من باب التخلية والتحلية.
3 -التحليِّ بمحاسن الأخلاق:
روى البخاري رحمه الله في كتاب بدء الوحي من صحيحه حديث السيدة عائشة رضي الله عنها في كيف بدأ الوحي؟، وفيه قالت: [حتى جاءه الحق وهو في غار حِراءٍ، فجاءه المَلَكُ فقال: اقرأ - إلى أن قالت - فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال: (زملوني) . فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: (لقد خشيت على نفسي) . فقالت خديجة كلا والله مايخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ، وتكسبُ المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق] [1] . والكَلَّ هو من لا يستقل بأمر نفسه، كما في قوله تعالى (وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ) النحل: 76.
فلما خشي رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسه لما جاءه المَلَك أول مرة، بشَّرته السيدة خديجة رضي الله عنها بأن الله لايخزيه أبدًا. قال ابن حجر [ثم استدلت على ماأقسمت عليه من نفي ذلك أبدًا بأمر استقرائي وصفته بأصول مكارم الأخلاق، لأن الإحسان إما إلى الأقارب أو إلى الأجانب، وإما بالبدن أو بالمال، وإما على من يستقل بأمره أو من لايستقل، وذلك كله مجموع فيما وصفته به] [2] .
يدل هذا الحديث على أن التمسك بمكارم الأخلاق مظنة التوفيق، وأن الله تعالى لايخزي من حَسُن خُلُقِه في نفسه ومع الناس بل يوفقه سبحانه ويسدِّدُه، ولهذا فقد قدّمت بذكر هذا الحديث لأنبِّه طالب العلم خاصة - وكل مسلم عامة - على أهمية التمسك بمكارم الأخلاق ومجاهدة النفس في اكتسابها إن كانت عارية عنها، فإنها مظنة التوفيق، وطالب العلم أحوج الناس إلى عون الله تعالى وتوفيقه، فإن الطالب قد يضل في اختيار المعلم أو الكتاب فيهلك أو يضيع بعض عمره سدى حتى يهتدي للمعلم الصالح والكتاب النافع، وقد يكون ضلالُهُ في طلب العلم عقوبة ً قدرية ً له من الله على فساد ِ قصده أو خبثِ سريرته، وقد يسلك الطالب سبيل الضلالة ويعتقده الحق عقوبة من الله تعالى (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ) فاطر: 8، وقال تعالى (وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ) إبراهيم: 27.
فلا نجاة إذن إلا بالاستقامة ليكون الطالب من أهل الوعد المذكورين في قوله تعالى (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ) محمد: 17، وفي قوله تعالى (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) العنكبوت: 69.
والتحلي بمحاسن الأخلاق يشتمل على التحلي بما ظهر منها ومابطن:
فالمكارم الظاهرة: يأتي على رأسها الحياء فإنه أساسها بل أساس الخيرات كلها، ثم بر الوالدين، وصلة الأرحام، والرفق بالناس، والعفو واحتمال الأذي، وإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم، والجود والكرم، وغيرها.
وأما المكارم الباطنة: فأولها الإخلاص، ثم الصدق، والتوكل، والصبر، وقصر الأمل، والزهد والورع، والحلم والأناة،
(1) الحديث (رقم 3)
(2) (فتح الباري) ج 1 ص 24