فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 1285

والتواضع، وإحسان الظن بالمسلمين، وغيرها.

وإذا كان هناك خُلُق مما ذكرناه ينبغي التنبيه عليه على وجه الخصوص في هذا المقام فهو التواضع: وضده الكبر والتعالي على الناس والعُجب والفخر.

فقد قال النووي في آداب المتعلم [وينبغي له أن يتواضع للعلم والمعلِّم، فبتواضعه يناله، وقد أُمرنا بالتواضع مُطلقا فهنا أولى، وقد قالوا: العلم حرب للمتعالي كالسيل حرب للمكان العالي. وينقاد لمعلمه ويشاوره في أموره ويأتمر بأمره كما ينقاد المريض لطبيب حاذق ناصح، وهذا أَوْلى لتفاوت مرتبتهما] [1] .

وإنما أردنا التنبيه على التواضع خاصة لأن الكبر والعُجب يضادان التعلم، وإذا ابتلي بهما طالب العلم انقطع وحُرِمَ العلم، فإن الكبر يجعل معلمه يرغب عن تعليمه، كما أن العُجب يجعل الطالب يستغني عن طلب المزيد من العلم، وكلاهما يمنعانه من قبول العلم ممن هو دونه في رتبة ٍ أو سِنّ ٍ أو شرف ٍ. فصار التواضع خير زاد له في طلب العلم.

قال البخاري رحمه الله [وقال مجاهد: لايتعلم العلم مُسْتَحْي ٍ ولا مُستكبر] . أما المستكبر فقد بيّنا سبب عدم تعلُّمِه، وأما المُسْتَحي فالمقصود به الحياء المذموم الذي يمنع الطالب من السؤال عما ينبغي السؤال عنه ليتعلم، ولهذا فقد أعقب البخاري قول مجاهد هذا بقولٍ لعائشة رضي الله عنها ليبين المراد بالحياء المذكور في قول مجاهد وأنه المذموم الذي يمنع من التعلم، فقال البخاري [وقالت عائشة رضي الله عنها: نِعْمَ النساءُ نساء الأنصار، لم يَمْنَعْهُن الحياءُ أن يتفقّهن في الدين] [2] .

4 -طلب العلم في الصِّغر.

من أَجَلِّ نعمِ الله تعالى على عبد ٍ أن يوفِّقه لطلب العلم في الصِّغر، لما للتعلم في الصِّغر من فوائد هامة، منها: -

أ - أن الصغير أفرغ قلبا ووقتا، فيرسخ في نفسه مايتلقاه من العلم، ومن هنا قيل: إن التعلم في الصِّغر كالنقش على الحجر، وإن التعلم في الكِبَر كالنقش على الماء. والصغير أقدر على الحفظ من الكبير.

ب - أن التفقه في الدين لابد له من طول المدة، أي التعلم لزمن طويل، نظرًا لكثرة العلوم الشرعية وتشعبها وطولها، فكان التعلم في الصِّغر أعون على الإلمام بهذه العلوم بتفصيلاتها، التي يعسر الإلمام بها إذا ما تعلَّم في الكِبَر.

ولأهمية التعلم في الصِّغر لم يخل كتاب من الكتب التي تكلمت في موضوع العلم من التنبيه عليه، ومن هذا: -

أ - ما ذكره البخاري قال [قال عمر رضي الله عنه: تفقَّهوا قبل أن تَسودوا] . قال البخاري: [وبعد أن تسودوا، وقد تعلمَّ أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم في كِبَر سنِّهم] [3] . والمقصود بالسيادة في قول عمر رضي الله عنه: الرياسة والولاية، وقد حَضَّ عمر على التفقّه قبلها لسببين، الأول: أن الولاية عادة ماتمنع من التعلم نظرًا لشدة انشغال صاحبها مع أَنَفَتِه عن التعلم، والسبب الثاني: أن الجهل قبيح من صاحب الولاية مُهْلِك له ولغيره إذا سَاسَ الناس بغير علم. فإذا كان الصواب والأوْلي هو التعلم قبل السيادة فإن هذا لايكون إلا في الصِّغر.

ولئلا يفهم أحد من قول عمر أن السيادة مانعة من التفقه بإطلاق فقد عقَّب البخاري عليه قائلا [وبعد أن تسودوا] فمن فاته العلم قبل السيادة فلا يفوتنّه بعدها، ودَلّل البخاري على هذا بقوله [وقد تعلم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في كِبَر سِنّهم] فبيَّن أن كِبَر السن ليس مانعًا من التعلم وإن كان الأوْلى الشروع في هذا في الصِّغر. قال ابن حجر في شرح قول عمر رضي الله عنه [وقد فسّره أبو عبيد في كتابه «غريب الحديث» فقال: معناه تفقهوا وأنتم صغار، قبل أن تصيروا سادة

(1) (المجموع) ج 1 ص 35 36

(2) (كتاب العلم بصحيح البخاري - باب 50)

(3) (كتاب العلم بصحيح البخاري - باب 15)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت