فهرس الكتاب

الصفحة 441 من 1285

المسألة الثانية: حكم من لم تبلغه دعوة رسولٍ في الدنيا

وهذا إما أن لا تبلغه حقيقة: كالبالغ العاقل الذي لم يسمع برسالة نبي أبدًا، وإما أن لا تبلغه حكمًا: كالشخص غير القادر على فهم خطاب التكليف - كالصبي والمجنون والخَرِف - رغم وجود دعوة الرسول واشتهارها.

ومذهب أهل السنة والجماعة أن هؤلاء - الذين لم تبلغهم دعوة الرسل حقيقة أو حكمًا - أنهم يمتحنون يوم القيامة. وبذلك تقوم حجة الله بالرسل على جميع خلقه إما في الدنيا وإما في الآخرة.

قال ابن تيمية رحمه الله [ومن لم تقم عليه الحجة في الدنيا بالرسالة كالأطفال والمجانين وأهل الفترات، فهؤلاء فيهم أقوال أظهرها ما جاءت به الآثار أنهم يمتحنون يوم القيامة فيبعث إليهم من يأمرهم بطاعته، فإن أطاعوه استحقوا الثواب، وإن عصوه استحقوا العذاب.] [1] .

وقال ابن تيمية أيضا [ولكن لا يعذب الله أحدًا حتى يبعث إليه رسولا، وكما أنه لا يعذبه فلا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة مؤمنة، ولا يدخلها مشرك ولا مستكبر عن عبادة ربه، فمن لم تبلغه الدعوة في الدنيا امتحن في الآخرة، ولا يدخل النار إلا من اتبع الشيطان، فمن لا ذنب له لا يدخل النار، ولا يعذب الله بالنار أحدًا إلا بعد أن يبعث إليه رسولا، فمن لم تبلغه دعوة رسول إليه كالصغير والمجنون، والميت في الفترة المحضة، فهذا يمتحن في الآخرة كما جاءت بذلك الآثار] [2] .

وقال ابن تيمية أيضا [وقد رويت آثار متعددة في أن من لم تبلغه الرسالة في الدنيا فإنه يبعث إليه رسول يوم القيامة في عرصات القيامة. وقد زعم بعضهم أن هذا يخالف دين المسلمين، فإن الآخرة لا تكليف فيها، وليس كما قال، إنما ينقطع التكليف إذا دخلوا دار الجزاء الجنة أو النار، وإلا فَهُم في قبورهم ممتحنون ومفتونون، يقال لأحدهم: من ربك؟ ومادينك؟ ومن نبيك؟. وكذلك في عَرَصات القيامة يقال: ليتبع كل قوم ما كانوا يعبدون .. الحديث] [3] .

أما الآثار التي أشار إليها ابن تيمية، فقد وردت في عدة مصادر، منها ما ذكره ابن كثير في تفسير قوله: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) الإسراء: 15 [4] .

ومما قال ابن القيم رحمه الله [وقد جاءت بذلك آثار كثيرة يؤيد بعضها بعضا: فمنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده والبزار أيضا بإسناد صحيح فقال الإمام أحمد: حدثنا معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن الأحنف بن قيس عن الأسود بن سريع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع ورجل هرم ورجل أحمق، ورجل مات في الفترة. أما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وأنا ماأسمع شيئًا. وأما الأحمق فيقول: رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر. وأما الهرم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وماأعقل. وأما الذي في الفترة فيقول: رب ماأتاني رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطيعنّه فيرسل إليهم رسولا أن ادخلوا النار. فو الذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا» ، قال معاذ بن هشام: وحدثني أبي عن قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة بمثل هذا الحديث وقال في آخره «فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا ومن لم يدخلها رد إليها» - إلى أن قال - قال الحافظ عبد الحق

(1) (الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح) ج 1 ص 312

(2) (مجموع الفتاوى) 14/ 477

(3) (مجموع الفتاوى) 17/ 308 - 309, وانظر أيضا (مجموع الفتاوى) ج 4/ 246 - 247، ج 24/ 372 - 373

(4) (تفسير ابن كثير) 3/ 28 - 31 - - وما ذكره ابن القيم في كتابه (طريق الهجرتين) ص 396 - 401، ط دار الكتب العلمية 1402هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت