فهرس الكتاب

الصفحة 442 من 1285

في حديث الأسود: قد جاء هذا الحديث، وهو صحيح فيما أعلم، والآخرة ليست دار تكليف ولا عمل، ولكن الله يخص من يشاء بما يشاء، ويكلف من شاء ما شاء وحيثما شاء. لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون. قلت: وسيأتي الكلام على وقوع التكليف في الدار الآخرة وامتناعه عن قريب إن شاء الله. ورواه علي بن المديني عن معاذ بنحوه قال البيهقي: حدثنا علي بن محمد بن بشران أخبرنا أبو جعفر الرازي أخبرنا حنبل بن الحسين أخبرنا علي بن عبد الله وقال: هذا إسناد صحيح]. ثم ذكر ابن القيم الروايات الأخرى لهذا الحديث، ثم قال [فهذه الأحاديث يشد بعضها بعضا وتشهد لها أصول الشرع وقواعده، والقول بمضمونها هو مذهب السلف والسنة، نقله عنهم الأشعري رحمه الله في (المقالات) وغيرها] [1] .

فإن قيل: قد أنكر ابن عبد البر هذه الأحاديث وقال: أهل العلم ينكرون أحاديث هذا الباب، لأن الآخرة ليست دار عمل ولا ابتلاء، وكيف يكلفون دخول النار وليس ذلك في وسع المخلوقين، والله لا يكلف نفسا إلا وسعها؟ فالجواب من وجوه: (أحدها) أن أهل العلم لم يتفقوا على إنكارها بل ولا أكثرهم، وإن أنكرها بعضهم فقد صحح غيره بعضها كما تقدم.

(الثاني) أن أبا الحسن الأشعري حكى هذا المذهب عن أهل السنة والحديث، فدل على أنهم ذهبوا إلى موجب هذه الأحاديث. (الثالث) أن إسناد حديث الأسود أجود من كثير من الأحاديث التي يحتج بها في الأحكام، ولهذا رواه الأئمة أحمد وإسحق وعلي بن المديني.

(الرابع) أنه قد نص جماعة من الأئمة على وقوع الامتحان في الدار الآخرة وقالوا: لا ينقطع التكليف إلا بدخول دار القرار ذكره البيهقي عن غير واحد من السلف.

(الخامس) ماثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد في الرجل الذي هو آخر أهل الجنة دخولا إليها أن الله سبحانه وتعالى يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأله غير الذي يعطيه، وأنه يخالفه ويسأله غيره فيقول الله تعالى «ما أغدرك» وهذا الغدر منه لمخالفته للعهد الذي عاهد ربه عليه.

(السادس) قوله: وليس ذلك في وسع المخلوقين. جوابه من وجهين، أحدهما: أن ذلك ليس تكليفا بما ليس في الوسع، وإنما هو تكليف بما فيه مشقة شديدة، وهو كتكليف بني إسرائيل قتل أولادهم وأزواجهم وآبائهم حين عبدوا العجل، وكتكليف المؤمنين إذا رأوا الدجال ومعه مثال الجنة والنار أن يقعوا في الذي يرونه نارًا. الثاني: أنهم لو أطاعوه ودخلوها لم يضرهم، وكانت بردًا وسلاما، فلم يكلفوا بممتنع ولا بما لم يستطع.

(السابع) أنه قد ثبت أنه سبحانه وتعالى يأمرهم في القيامة بالسجود ويحول بين المنافقين وبينه، وهذا تكليف بما ليس في الوسع قطعًا، فكيف ينكر التكليف بدخول النار في رأى العين إذا كانت سببا للنجاة؟ كما جعل قطع الصراط الذي هو أدق من الشعرة وأحد من السيف سببا كما قال أبو سعيد الخدري [بلغني أنه أدق من الشعرة وأحد من السيف] [2] ، فركوب هذا الصراط الذي هو في غاية المشقة كالنار ولهذا كلاهما يفضي منه إلى النجاة والله أعلم.

(الثامن) أن هذا استبعاد مجرد لا تُرَدّ بمثله الأحاديث، والناس لهم طريقان: فمن سلك طريق المشيئة المجردة لم يمكنه أن يستبعد هذا التكليف، ومن سلك طريق الحكمة والتعليل لم يكن معه حجة تنفي أن يكون هذا التكليف موافقا للحكم، بل الأدلة الصحيحة تدل على أنه مقتضى الحكمة كما ذكرناه.

(1) سبق ذكره

(2) رواه مسلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت