فهرس الكتاب

الصفحة 259 من 1285

1 -الحكم الأصلي للإفتاء هو الوجوب، لأن الإفتاء إخبار عن حكم الشرع، وهذا الإخبار واجب وأدلة وجوبه هو الأمر بالإخبار والبيان، والوعيد لمن تركه، وهذا كله يفيد الوجوب.

قال تعالى (وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ) آل عمران: 187.

وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ، إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) البقرة:159 - 160.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من سُئِل عن علم فكتمه أُلْجِم يوم القيامة بلجام من نار) [1] .

إلى غير ذلك من الأدلة التي ذكرناها في صدر الفصل الثاني من الباب الثالث للدلالة على أن تبليغ العلم واجب على العلماء فراجعها هناك إن شئت.

2 -فإذا كان الإفتاء واجبا، فوجوبه على الأمة هو على الكفاية، أي لايجب على كل مسلم أن يصير مفتيا مؤهلا للإفتاء، وإنما الواجب أن تقوم طائفة من المسلمين بالتأهل للإفتاء بما يكفي حاجة المسلمين، وهذا هو معنى الواجب الكفائي وقد سبق بيانه في الباب الثاني، فإذا كان عدد المؤهلين للإفتاء أقل مما يكفي المسلمين، أثِم المسلمون جميعهم حتى يقوم منهم من يسد حاجتهم في ذلك.

ودليل وجوب الافتاء على الكفاية لا على الأعيان، قوله تعالى (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) التوبة: 122.

3 -ويتأدي فرض الكفاية في الإفتاء: إذا تيسر لكل مسلم أن يجد مفتيا يفتيه بغير مشقة، إما في بلده وإما في مكان يمكنه الرحلة إليه بغير مشقة أي فيما دون مسافة القصر.

ويتم إيجاد هذا المفتي بأحد سبيلين: -

الأول: أن ينتدب إمام المسلمين مفتيا لكل بلدةٍ، لقوله صلى الله عليه وسلم (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) [2] . وقد سبق بيان أن هذا من واجبات الأئمة في الفصل الأول من الباب الثالث.

الثاني: أن يستقدم أهل البلدة مفتيا يسدّ حاجتهم، أو ينتدبوا بعض أهل البلدة لطلب العلم بما يسد حاجتهم لقوله تعالى (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) التوبة: 122 ..

قال ابن حزم رحمه الله [وكل من كان منا في بادية لايجد فيها من يعلمه شرائع دينه ففرض على جميعهم من رجل أو امرأة أن يرحلوا إلى مكان يجدون فيه فقيها يعلمهم دينهم، أو أن يُرحِّلوا إلى أنفسهم فقيها يعلمهم أمور دينهم، وإن كان الإمام يعلم ذلك فليرحِّل إليهم فقيها يعلمهم، قال الله تعالى: «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة» ، وبعث عليه السلام معاذا ً وأبا موسى إلى اليمن، وأبا عبيدة إلى البحرين، معلمين للناس أمور دينهم، ففرض ذلك على الأئمة. وقال تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا

(1) رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن

(2) متفق عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت