فهرس الكتاب

الصفحة 450 من 1285

والمراد بالميثاق، ما ورد في قوله تعالى (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ، وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) الأعراف: 172 - 174. وهذه الآيات مما يحتج به من لا يعذر بالجهل في التوحيد، لأن بني آدم أقروا بالربوبية لله تعالى (بَلَى شَهِدْنَا) وجعل الله هذا الإقرار حجة عليهم في عدم الإشراك به (أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا) . وفي معنى هذه الآية ما ورد في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (يُقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديًا به، قال: فيقول نعم، فيقول: قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي) ، هذا الميثاق. فاحتج قوم بهذه الآيات وهذا الحديث على أن هذا الميثاق والاشهاد حجة في وجوب التوحيد وأنه لا يعذر أحد بجهله في نقض التوحيد بالشرك ولو لم تبلغه دعوة رسول (الحجة الرسالية) .

وأما الفطرة: فهي الواردة في قوله تعالى (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) الروم: 30. وورد في تفسير هذه الآية حديث الفطرة الدال على أن كل مولود يولد على ملة الإسلام وهي الحنيفية، قال ابن القيم رحمه الله[وهذا الحديث - وهو حديث الفطرة - ألفاظه يفسر بعضها بعضًا، ففي «الصحيحين» - واللفظ للبخاري - عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟» ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) قالوا: يا رسول الله أفرأيت من يموت صغيرًا؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» . وفي الصحيح - صحيح البخاري - قال الزهري: يصلي على كل مولود يتوفى وإن كان لغية من أجل أنه ولد على فطرة الإسلام إذا استهل خارجًا، ولا يصلي على من لم يستهل من أجل أنه سقط، وأن أبا هريرة كان يحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟» ثم يقول أبو هريرة: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) وفي «الصحيح» - صحيح مسلم - من رواية الأعمش «ما من مولود إلا وهو على الملة» وفي رواية أبي معاوية عنه «إلا على هذه الملة، حتى يبين عنه لسانه» : فهذا صريح في أنه يولد على ملة الإسلام كما فسره ابن شهاب راوي الحديث، واستشهاد أبي هريرة بالآية يدل على ذلك.

قال ابن عبد البر: وسئل ابن شهاب عن رجل عليه رقبة مؤمنة: أيجزئ عنه الصبي أن يعتقه وهو رضيع؟ قال: نعم، لأنه ولد على الفطرة، قال ابن عبد البر، وقد ذكر أقوال الناس في هذا الحديث: وقال آخرون: الفطرة ههنا هي الإسلام. قالوا: وهو المعروف عند عامة السلف. وأهل التأويل قد أجمعوا في تأويل قوله عز وجل: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) على أن قالوا: فطرة الله دين الإسلام، واحتجوا بقول أبي هريرة في هذا الحديث] [1] .

وقال ابن القيم أيضا [ويدل على صحة ما فسر به الأئمة الفطرة أنها «الدين» ما رواه مسلم في صحيحه من حديث عياض بن حمار المجاشعي عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى: (إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم

(1) (أحكام أهل الذمة) لابن القيم، ج 2/ 534 - 535، ط دار العلم للملايين 1983 م

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت