فهرس الكتاب

الصفحة 451 من 1285

أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ماأحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي مالم أنزل به سلطانًا) وهذا صريح في أنهم خلقوا على الحنيفية، وأن الشياطين اقتطعتهم بعد ذلك عنها، وأخرجوهم منها، قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) البقرة: 257، وهذا يتناول إخراج الشياطين لهم من نور الفطرة إلى ظلمة الكفر والشرك، ومن النور الذي جاءت به الرسل من الهدى والعلم إلى ظلمات الجهل والضلال.] [1] .

فذهب قوم إلى أنه ما دام الخلق قد ولدوا جميعا على ملة الإسلام فهي حجة عليهم، ولا عذر لأحد في الشرك مع ذلك، وإن لم تبلغه دعوة رسول (الحجة الرسالية) ، فلا يعذر بجهله في الشرك.

واعلم أن جمهور العلماء على أن الميثاق المذكور في آية الأعراف والفطرة شيء واحد، قال ابن القيم [وقد قال هذا غير واحد من أهل العلم قبله وبعده. وأحسن ما فسرت به الآية قوله صلى الله عليه وسلم «كل مولود يولد على الفطرة: فأبواه يهودانه وينصرانه» فالميثاق الذي أخذه سبحانه عليهم، والإشهاد الذي أشهدهم على أنفسهم، والإقرار الذي أقروا به هو الفطرة التي فطروا عليها)[2] .

واعلم أن القول بأن الميثاق والفطرة حجة مستقلة على الخلق بالتوحيد غير صحيح، والدليل على ذلك:

1 -قوله تعالى (وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) النحل: 78، ونقل ابن القيم عن محمد بن نصر المروزي 294 هـ انكاره على من زعم أن الميثاق حجة محتجًا بآية النحل هذه، فقال محمد بن نصر [زعم أن الفطرة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن كل مولود يولد عليها: هي خلقه في كل مولود معرفة بربه وزعم أنه على معنى قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) الأعراف: 172. قال محمد بن نصر: قال الله تعالى: (وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا) النحل:78 فزعم هذا أنهم يعرفون أعظم الأشياء: وهو الله تعالى، فمن أعظم جرمًا وأشد مخالفة للكتاب ممن سمع الله عز وجل يقول: (وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا) النحل: 78 فزعم أنهم يعلمون أعظم الأشياء؟ وهذا هو المعاند لرب العالمين والجاهل بالكتاب.] [3] .

2 -وقوله تعالى (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ) الشورى: 52، فدلت الآية على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم شيئا عن الإيمان إلا بالوحي (وهو الحجة الرسالية) لا بالميثاق والفطرة، وهذا نص في محل النزاع.

3 -وقوله تعالى (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) النساء: 165، فدلت الآية على أن الحجة تقوم والعذر ينقطع بالرسل، وهو ما يحتج به خزنة جهنم على العصاة كما قال تعالى (تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَاتِكُمْ نَذِيرٌ، قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ) الملك: 8 - 9، ونحوها من الآيات. وقال الشنقيطي رحمه الله [والآيات القرآنية مصرحة بكثرة، بأن الله تعالى لا يعذب أحدًا حتى يقيم عليه

(1) (المرجع السابق) 2/ 531 - 532

(2) (أحكام أهل الذمة) 2/ 527. وانظر (مجموع فتاوى ابن تيمية) 14/ 296. و (شرح العقيدة الطحاوية) ص 268، ط المكتب الإسلامي 1403هـ. و (تفسير ابن كثير) 2/ 261 - 264

(3) (أحكام أهل الذمة) 2/ 525 - 526

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت