فهرس الكتاب

الصفحة 452 من 1285

الحجة بإنذار الرسل، وهو دليل على عدم الاكتفاء بما نصب من الأدلة، وما ركز من الفطرة، فمن ذلك قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) الإسراء:15 فإنه قال فيها: حتى نبعث رسولا، ولم يقل حتى نخلق عقولا، وننصب أدلة، ونركز فطرة] [1] .

فإن قيل فما التوفيق بين الاحتجاج بالرسل هنا وبين الاحتجاج بالميثاق في الحديث الذي سبق ذكره (قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئًا فأبيت إلا أن تشرك) [2] . فالجواب: أنه لا بد من تقدير دلالة اقتضاء في هذا الحديث متضمنة لإقامة الحجة بالرسل وهو ما دلت عليه النصوص المستفيضة فيكون معنى الحديث (قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئًا وأقمت عليك الحجة بالرسل فأبيت إلا أن تشرك) . هذا مقتضي الجمع بين النصوص، ومقتضى رد المتشابه إلى المحكم. وبمثل هذا أجاب الشيخ عبد العزيز بن باز عن هذا الحديث فذكره ثم قال [ «فأبيت إلا الشرك» يعني أردت منك شرعًا أن لا تشرك بي، وذلك بما جاء على ألسنة الرسل من الأمر بعبادته وحده والنهي عن الإشراك به، لكن أبى أكثر الخلق إلا الشرك بالله عز وجل] [3] .

واعلم أنه لا بد للمشتغل بالعلوم الشرعية من معرفة القواعد الكلية الضابطة للنصوص، وتسمى القواعد الكلية التي تنتظم موضوعًا معينًا في جميع الفقه بالقواعد الفقهية، وتسمى القواعد الكلية التي تنتظم بابًا من أبواب الفقه بالضابط الفقهي، وستأتي الإشارة إلى ذلك في مبحث الفقه بالباب السابع إن شاء الله، وإهمال هذه القواعد والضوابط يؤدي إلى الشذوذ، فمثلا جميع الأحاديث الواردة بالوعيد في حق عصاة الموحدين مقيدة بضابط المشيئة الوارد في قوله تعالى (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) النساء: 48، وفي معناها حديث عبادة بن الصامت في بيعة النساء المتفق عليه، فمن أهمل ضابط المشيئة لا بد أن يقول بقول الخوارج والمعتزلة. وكذلك في موضوعنا هنا الضابط هو أنه لا يدخل النار أحد إلا من قامت عليه الحجة الرسالية كما في آية الأنعام 130، والزمر 71، وفاطر 37، والملك 6 - 10 ويجب فهم سائر النصوص في هذا الموضوع مقيدة بهذا الضابط.

4 -فإن قيل فما فائدة الميثاق والفطرة، وهل ليس فيه أي حجة؟ والجواب: أنه حجة ولكن ناقصة، والنقص فيه من وجهتين:

(أ) الأولى: أنه بحاجة إلى التذكير، إذ لا يذكر أحد هذا الميثاق في الدنيا ويدل عليه قوله تعالى (وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا) النحل: 78. فجاء الرسل بالتذكير بهذا الميثاق كما قال تعالى (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ) الغاشية: 21، وقال تعالى (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) البقرة: 221، وقال تعالى (قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ) الأعراف: 3، وقال تعالى (وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَ) ص: 29، وقال تعالى (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ) المائدة: 7، وقال تعالى (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) القمر: 17. فالرسل جاءوا بالتذكير بالميثاق.

(ب) الثانية: أنه بحاجة إلى التفصيل، أي إلى العلم المفصل بما يجب لله تعالى من حقوق على العباد، وبهذا جاءت الرسل.

فالحجة الرسالية جاءت مكملة للميثاق والفطرة اللذين لا تقوم بهما وحدهما حجة.

(1) من تفسير (أضواء البيان) ج 2 ص 336

(2) متفق عليه

(3) (فتاوى ومقالات ابن باز) جمع محمد بن سعد الشويعر، ج 3 ص 35، ط 1410هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت