فهرس الكتاب

الصفحة 425 من 1285

(تمهيد) في بيان سبب الجدل القائم بشأن هذه المسألة.

تعتبر مسألة الجهل والعذر به من المسائل التي دار حولها جدل واختلاف كبيران وسط ما يعرف بالصحوة الإسلامية المعاصرة. وقد ارتبطت هذه المسألة ارتباطًا مباشرًا بمسألة التكفير وضوابطه، وقد كثر الكلام في التكفير مع انتشار كتابات الأستاذ سيد قطب رحمه الله وكتابات علماء الدعوة النجدية وما اشتملت عليه من بيان نواقض الإسلام. فذهب فريق إلى تنزيل أحكام التكفير المطلقة الواردة بهذه الكتابات على المعينين دون اعتبار لموانع التكفير القائمة بهم، ونبّه فريق آخر إلى وجوب النظر في هذه الموانع ومنها الجهل في حق المعينين قبل الحكم بكفرهم.

وشرع كل فريق في إعداد الأبحاث الشرعية التي تؤيد وجهة نظره معتمدًا على بعض النصوص من الكتاب والسنة وعلى بعض أقوال أهل العلم المؤيدة له، فجاءت بعض هذه الأبحاث على طرفي نقيض وبينها تعارض تام، وأحيانا ينقل الطرفان المختلفان نقولًا متعارضة تماما عن رجل ٍ واحد من أهل العلم.

والذي أدى إلى تناقض الأبحاث في هذه المسألة هو سوء الاستدلال بالنصوص الشرعية مع توجيه أقوال العلماء توجيها غير سليم بما يجعلها متناقضة، في حين أنه يمكن التأليف بينها لإرجاعها إلى أصل واحد أو معنى مشترك، وهذه هي الحقيقة، فإنه إزراءٌ بالسلف وعلماء هذه الأمة أن يُظن بهم أنهم لم يتعرضوا لبحث هذه المسألة والقطع فيها بقولٍ. وهذا الأصل الواحد والمعنى المشترك الذي تدور حوله النصوص الشرعية وأقوال العلماء في هذه المسألة هو الذي سوف نعني بإظهاره في بحثنا هنا إن شاء الله.

وأحب أن أنبّه أيضا على أن من أهم البواعث على كثرة الخوض في موضوع التكفير في هذا الزمان، هو وقوع كثير من المنتسبين إلى الإسلام في المكفرات بما يؤدي بهم إلى الانسلاخ من الدين الحنيفي دون زجر أو ردع أو عقاب، وذلك بسبب غياب الحكم الإسلامي والحكم بالقوانين الوضعية التي لا تجرّم الردّة ولا تعاقب عليها، فشاعت الردة بين المسلمين، وتنبّه لأسبابها من فتح الله عليهم بالعلم ومعرفة أسباب الكفر، وتلا ذلك التنبيه على أهمية النظر في موانع التكفير ومنها العذر بالجهل، فثار الجدل والخلاف حول هذه المسألة.

ولم يكن هناك خلاف كبير بين السلف في هذه المسألة، وذلك لأنه في ظل قيام الحكم الإسلامي في دار الإسلام فإن الحكم على المعينين مرجعه إلى القاضي الشرعي الذي يُرفع إليه أمر من ارتكب شيئًا من المكفرات، وكان البحث في شروط الحكم بالتكفير وموانعه من شأن القاضي وحده وإلى اجتهاده يرجع تقدير اعتبار العذر والمانع في حق الشخص المعين، ولم يكن للعامة دخل في هذا.

وسوف يكون كلامنا في الجهل والعذر به في هذا الباب في أربعة فصول إن شاء الله، وهي:

1 -الفصل الأول: تعريف الجهل وبيان أثره على المكلّف.

2 -الفصل الثاني: حجة الله التي يقع بها التكليف.

3 -الفصل الثالث: صفة قيام الحجة الرسالية من جهة القائم بها.

4 -الفصل الرابع: صفة قيام الحجة الرسالية من جهة المخاطب بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت