فهرس الكتاب

الصفحة 271 من 1285

اتفق العلماء على أن للقاضي أن يفتي في المسائل التي لاتعلّق لها بالأحكام القضائية كمسائل الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج أي العبادات.

ثم اختلفوا في جواز فتياه في مسائل الأحكام القضائية كالحقوق المالية والنكاح وتوابعه والحدود وغيرها، فذهب الجمهور - كما حكاه ابن القيم - إلى جوازه، وذهب فريق من العلماء إلى منعه من الإفتاء في مسائل الأحكام دفعًا للتهمة عن القاضي إذ قد يختلف حكمه عن فتياه في نفس المسألة لدلائل ظهرت له في مجلس القضاء، فيؤدي اختلافه - وإن كان حقًا - إلى اتهام الخصوم له، كأن يُستفتى القاضي فيمن سرق نصابًا من حِرز مثله فيفتي بأن فيه القطع، ثم يظهر في مجلس القضاء أن السارق له شبهة مِلك في المتاع المسروق كأن يكون أبا أو شريكا للمسروق منه فهذه شبهة تدرأ الحدّ. وكأن يُستفتى فيمن قذف آخر بالزنا ولم يأت بأربعة شهداء فيفتي بأن فيه الحد ثم يظهر في مجلس الحكم أن المقذوف كافر، فهذا لا حَدّ فيه، ونحو ذلك. هذا ملخص المسألة، وإليك أقوال العلماء فيها.

قال ابن الصلاح رحمه الله[من كان من أهل الفتيا قاضيا فهو فيها كغيره. وبلغنا عن أبي بكر بن المنذر: أنه يُكره للقضاة أن تفتي في مسائل الأحكام دون مالا مجرى لأحكام القضاء فيه، كمسائل الطهارة، والعبادات. وقال: قال شريح: «أنا أقضي ولا أفتي» .

ووجدت في بعض «تعاليق الشيخ أبي حامد الإسفرايني» : أن له أن يفتي في العبادات، وما لا يتعلق به الحكم. وأما فتياه في الأحكام فلأصحابنا فيه جوابان:

أحدهما: ليس له أن يفتي فيها، لأن لكلام الناس عليه مجالًا، ولأحد الخصمين عليه مقالًا.

والثاني: له ذلك، لأنه أهل لذلك، والله أعلم.] [1] .

وقال ابن القيم رحمه الله [لا فرق بين القاضي وغيره في جواز الإفتاء بما تجوز الفتيا به، ووجوبها إذا تعينت، ولم يزل أمر السلف والخلف على هذا فإن منصب الفتيا داخل في ضمن منصب القضاء عند الجمهور، - إلى أن قال -، وذهب بعض الفقهاء من أصحاب الإمام أحمد والشافعي إلى أنه يُكره للقاضي أن يفتي في مسائل الأحكام المتعلقة به، دون الطهارة والصلاة والزكاة ونحوها، واحتج أرباب هذا القول بأن فتياه تصير كالحكم منه على الخصم، ولايمكن نقضه وقت المحاكمة، قالوا: ولأنه قد يتغير اجتهاده وقت الحكومة أو تظهر له قرائن لم تظهر له عند الإفتاء، فإن أصرَّ على فُتياه والحكم بموجبها حكم بخلاف مايعتقد صحته، وإن حكم بخلافها طرق الخصم إلى تهمته والتشنيع عليه بأنه يحكم بخلاف مايعتقده ويفتي به] [2] .

وكما ترى فإن محل الخلاف هو فتيا القاضي في مسائل الأحكام المتعلقة بالقضاء، ولايوجد دليل شرعي على منعه من ذلك، إلا خشية التهمة عليه إذا اختلفت فتياه عن حكمه، ولاشك في أن اتقاء التهم مقصود شرعًا لقوله صلى الله عليه وسلم (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) [3] ، ولقوله صلى الله عليه وسلم (إنها صفية) [4] ، فاتقاء الشبهات والتهم والظنون مطلوب شرعا.

(1) (أدب المفتي) ص 107 - 108

(2) ثم ذكر ابن القيم أقوال القاضي شريح والشيخ أبي حامد الإسفرايني كما نقلها ابن الصلاح. (اعلام الموقعين) ج 4 ص 220 - 221. أما شريح فهو ابن الحارث القاضي، تابعي مخضرم، ولاّه عمر القضاء، توفي 78هـ. وأما الشيخ أبو حامد فمن كبار فقهاء الشافعية توفي 406هـ. وأما أبو بكر بن المنذر النيسابوري فَعَلَم ٌُ من أعلام الفقه، له كتب الإشراف والأوسط والإجماع، ت 318 هـ

(3) متفق عليه

(4) رواه البخاري

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت