ودليله: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ) [1] .
وقال القاضي شهاب الدين القرافي رحمه الله] كل شئ أفتي فيه المجتهد فخرجت فتياه على خلاف الإجماع أو القواعد أو النص أو القياس الجليّ السالم عن المعارض الراجح، لايجوز لمقلده أن ينقله للناس ولا يفتي به في دين الله تعالى، فإن هذا الحكم لو حكم به حاكم لنقضناه، ومالا نقرّه شرعا بعد تقرره بحكم الحاكم أولى أن لانقره شرعا إذا لم يتأكد، وهذا لم يتأكد فلا نقره شرعا، والفتيا بغير شرع حرام، فالفتيا بهذا الحكم حرام [[2] . وقوله [بعد تقرره بحكم الحاكم] يشير إلى أن حكم القاضي مُلزم، وقوله [إذالم يتأكد] يشير إلى أن فتوى المفتي غير ملزمة للمستفتي، وسنشرح هذه المسألة في الفصل التالي إن شاء الله.
والمفتي إذا أخطأ في فتياه، له حالان:
1 -إما أن يكون أهلا للفتوى، خطأه يسير والغالب عليه الإصابة، فهذا مأجور على اجتهاده وإن أخطأ، ولكن لايُعمل بما أخطأ فيه بل يُرَدُّ، ولايمنع من الفتوى أو الحكم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) [3] ، فبيَّن الحديث أن القاضي وإن كان مجتهدًا فإنه قد يخطئ.
وقال ابن تيمية رحمه الله] أنه لو قدر أن العالم الكثير الفتوى أخطأ في مائة مسألة لم يكن ذلك عيبا، وكل من سوى الرسول صلى الله عليه وسلم يصيب ويخطئ. ومن منع عالمًا من الإفتاء مطلقًا، وحَكمَ بحبسه لكونه أخطأ في مسائل: كان ذلك باطلا بالإجماع [[4] .
وقال ابن تيمية أيضا]أنه لو قدر أن العالم الكثير الفتاوى أفتى في عدة مسائل بخلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه. وخلاف ماعليه الخلفاء الراشدون: لم يجز منعه من الفتيا مطلقًا، بل يُبين له خطؤه فيما خالف فيه. فما زال في كل عصر من أعصار الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء المسلمين من هو كذلك. فابن عباس رضي الله عنهما كان يقول في «المتعة والصرف» بخلاف السنة الصحيحة، وقد أنكر عليه الصحابة ذلك، ولم يمنعوه من الفتيا مطلقًا بل بينوا له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المخالفة لقوله [[5] .
2 -وإما أن يكون أهلا للفتوى ولكنه متساهل فيها أو لايكون أهلًا لها، وهذان الصنفان يجب على ولاة أمور المسلمين منعهما من الإفتاء، كما يجب تحذير المسلمين منهم.
(1) متفق عليه عن عائشة رضي الله عنها، وفي رواية لمسلم عنها مرفوعا (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ) . ومعنى (رَدٌّ) أي مردود لاينفذ ولا يُعمل به.
وقد بَوّب البخاري رحمه الله لهذه المسألة في بابين من صحيحه:
فأورد في كتاب الأحكام من صحيحه، (باب إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو ردٌ) (فتح الباري) ج 13 ص 181.
وفي كتاب الاعتصام من صحيحه، (باب إذا اجتهد العامل - أو الحاكم - فأخطأ خلاف الرسول - صلى الله عليه وسلم - من غير علم ٍ فحكمه مردود، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ» ) (فتح الباري) ج 13 ص 317
(2) (الفروق) للقرافي، ج 2 ص 109
(3) متفق عليه عن عمرو بن العاص رضي الله عنه
(4) (مجموع الفتاوي) ج 27 ص 301
(5) (المرجع السابق) ص 311