قال النووي رحمه الله] قال الخطيب: ينبغي للإمام أن يتصفح أحوال المفتين فمن صلح للفتيا أقرّه ومن لا يصلح منعه ونهاه أن يعود وتواعده بالعقوبة إن عاد وطريق الإمام إلى معرفة من يصلح للفتوى أن يسأل علماء وقته ويعتمد أخبار الموثوق بهم. ثم روى بإسناده عن مالك رحمه الله قال: ما افتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك. وفي رواية ما افتيت حتى سألت من هو أعلم مني هل يراني موضعا لذلك قال مالك ولاينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلا لشئ حتى يسأل من هو أعلم منه [[1] .
وقال ابن القيم رحمه الله]من أفتى الناس وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص ٍ، ومن أقره من وُلاة الأمور على ذلك فهو آثم أيضا[.
قال أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله:]ويلزم ولي الأمر منعهم كما فعل بنو أمية، وهؤلاء بمنزلة مَنْ يدل الركب، وليس له علم الطريق، وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة، وبمنزلة من لامعرفة له بالطب وهو يطبُّ الناس، بل هو أسوأ حالا من هؤلاء كلهم، وإذا تعين على ولي الأمر منع مَنْ لم يُحسن التطبُّب من مُدَاواة المرضي، فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة ولم يتفقه في الدين؟.
وكان شيخنا رضي الله عنه شديد الإنكار على هؤلاء، فسمعته يقول: قال لي بعض هؤلاء: أجُعِلْتَ محتسبًا على الفتوى؟ فقلت له يكون على الخبَّازين والطباخين محتسب ولايكون على الفتوى محتسب؟ [[2] .
وقد ذكرنا هذا الكلام وأكثر منه في واجب الإمام في تصفح أحوال المفتين والمعلمين في الفصل الأول من الباب الثالث. ولنا عَوْد إلى هذا الموضوع عند الكلام في خطأ المفتي إن شاء الله تعالى.
وبهذا نختم الكلام في وجوب الإفتاء بالحق وبالأقوال الراجحة ورد الفتاوى المخالفة للحق، وهو القسم الخامس من هذا الفصل.
(1) (المجموع) ج 1 ص 41. وهذا الكلام الذي نقله النووي عن الخطيب البغدادي موجود بكتاب الخطيب (الفقيه والمتفقه) ج 2 ص 153 - 154
(2) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 217