فهرس الكتاب

الصفحة 1076 من 1285

المقدمة الخامسة عشرة: في بيان مايشترط للتكفير به من الذنوب أن يكون فاعلها جاحدًا أو مستحلا ومالا يشترط فيه ذلك:

سبق بحث هذه المسألة بالتفصيل في التنبيه الهام المذكور بمبحث الاعتقاد عقب تعليقي علي قول الطحاوي رحمه الله [ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ماأدخله فيه] فراجعها هناك.

وملخص المسألة أن الذنوب قسمان:

القسم الأول: ذنوب مكفرة (من تَرْك واجب أو فعل محرم) ثبت بالدليل الشرعي أن فاعلها كافر كفرًا أكبر، فهذه يكفر بمجرد فعلها دون اشتراط الجحد (لما تركه من واجب) أو الاستحلال (لما فعله من محرم) . وقد دلّ علي هذا الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، وتفصيل هذه الأدلة مذكور بالتنبيه الهام المشار إليه أعلاه.

وقال ابن تيمية رحمه الله - مُبيِّنا مذهب السلف في ذلك - [إنْ سَبَّ الله أو سَبَّ رسوله كَفَر ظاهرًا وباطنًا، سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلًا له، أو كان ذاهلًا عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل. وقد قال الإمام أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه - وهو أحد الأئمة يُعْدَل بالشافعي وأحمد: قد أجمع المسلمون أن مَنْ سَبَّ الله أو سب رسوله عليه الصلاة والسلام أو دفع شيئًا مما أنزل الله أو قتل نبيًا من أنبياء الله أنه كافر بذلك وإن كان مُقرًا بما أنزل الله] [1] . فمن اشترط الجحد أو الاستحلال للتكفير بهذه الذنوب المكفرة فقد استدرك على الله وكَذَّب بآيات الله، لأن الله سمى فاعلها كافرًا بمجرد تركه أو فعله ولم يقيده بجحد أو استحلال، ومن كذّب بآيات الله فقد كفر، ولهذا أكفر السلف غلاة المرجئة الذين يعتبرون الجحد أو الاستحلال شرطًا مستقلًا للتكفير بالذنوب المكفرة [2] .

والقسم الثاني من الذنوب: الذنوب المُفَسِّقة غير المكفرة، (من تَرْك واجب أو فعل محرم) ، وهي الكبائر التي فيها حَدٌّ في الدنيا أو وعيد في الآخرة، ولم يثبت بالنص كفر فاعلها ولايعاقب فاعلها بعقوبة المرتد. فهذه لايكفر بمجرد فعلها فإن جحد الواجب الذي تركه أو استحل المحرم الذي فعله كفر بذلك كما دلّ عليه إجماع الصحابة في حادثة قدامة بن مظعون. لأن الجحد والاستحلال كلاهما تكذيب بالنصوص الموجبة أو المحرِّمة، ومن كذب بالنص كفر.

والتفصيل بالتنبيه الهام المشار إليه أعلاه كما تقدم ذِكْره، وإنما ذكرت هذه المقدمة هنا للتذكير بما ذكرته هناك.

(1) (الصارم المسلول) ص 512

(2) نقله ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) 7/ 205 و 209

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت