فهرس الكتاب

الصفحة 331 من 1285

المسألة الأولى: أن يكون الجواب واضحًا مفصلًا.

قال الله عزوجل (فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ) النحل: 35، والمبين هو الواضح المفصَّل، ولما كان (العلماء ورثة الأنبياء) فإنه يجب عليهم البلاغ المبين ومنه إجابة المستفتين، فيجب أن يكون الجواب واضحًا مفصلًا جامعا للفائدة المطلوبة مانعا من أن يُفهم منه غير المراد.

ويتعلق بالبيان والتفصيل أمران: أحدهما يتعلق بسؤال المستفتي، والثاني يتعلق بجواب المفتي، كالتالي:

1 -أما ما يتعلق بسؤال المستفتي: فهو تعيين المراد من سؤاله إذا كان يحتمل عدة صور، ليقع الجواب عن الصورة المرادة.

وفي هذا قال ابن القيم] إذا كان السؤال محتملا لصور عديدة، فإن لم يعلم المفتي الصورة المسئول عنها لم يجب عن صورة واحدة منها، وإن علم الصورة المسئول عنها فله أن يخصها بالجواب، ولكن يُقيِّدُ لئلا يتوهم أن الجواب عن غيرها فيقول: إن كان الأمر كيت وكيت، أو كان المسئول عنه كذا وكذا، فالجواب كذا وكذا، وله أن يُفرد كلَّ صورة بجواب، فيفصل الأقسام المحتملة، ويذكر حكم كل قسم، ومنع بعضهم من ذلك لوجهين، أحدهما: أنه ذريعة إلى تعليم الحيل، وفتح باب لدخول المستفتي وخروجه من حيث شاء، الثاني: أنه سبب لازدحام أحكام تلك الأقسام على فهم العاميِّ فيضيع مقصوده. والحق التفصيل، فيكره حيث استلزم ذلك، ولايكره - بل يستحب - إذا كان فيه زيادة إيضاح وبيان وإزالة لَبْس، وقد فصل النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من أجوبته بقوله: إن كان كذا فالأمر كذا، كقوله في الذي وقع على جارية امرأته «إن كان استكرهها فهي حرة، وعليه لسيدتها مثلها، وإن كانت مطاوعة فهي له، وعليه لسيدتها مثلها وهذا كثير في فتاويه صلى الله عليه وسلم [[1] .

2 -وأما مايتعلق بجواب المفتي، فيجب أن يكون كما قال ابن الصلاح رحمه الله]يجب على المفتي حيث يجب عليه الجواب أن يبينه بيانًا مزيحا للإشكال [[2] .

وقال ابن الصلاح أيضا بلغنا عن القاضي أبي الحسن الماوردي صاحب كتاب «الحاوي» ، قال:]إن المفتي عليه أن يختصر جوابه فيكتفي فيه بأنه يجوز أو لايجوز، أو حق أو باطل، ولايعدل إلى الإطالة والاحتجاج ليفرق بين الفتوى والتصنيف، قال: ولو ساغ التجاوز إلى قليل لساغ إلى كثير، ولصار المفتي مدرسا، ولكل مقام مقال.

وذكر شيخه أبو القاسم الصيمري، عن شيخه القاضي أبي حامد المروروذي: «أنه كان يختصر في فتواه غاية مايمكنه، واستفتي في مسألة، قيل في آخرها: أيجوز ذلك أم لا؟ فكانت فتواه: لا، وبالله التوفيق» .

قال ابن الصلاح: الاقتصار على لا أو نعم لايليق بِغَيّ العامة، وإنما يحسن بالمفتي الاختصار الذي لايخل بالبيان المشترط عليه دون مايخل به، فلا يدع إطالة لا يحصل البيان بدونها، فإذا كانت فتياه فيما يوجب القود أو الرجم مثلا فليذكر الشروط التي يتوقف عليها القود والرجم.

وإذا استفتي فيمن قال قولًا يكفر به، بأن قال: الصلاة لعب، أو الحج عبث، أو نحو ذلك. فلا يبادر بأن يقول: هذا حلال الدم ويُقتل. بل يقول: إذا ثبت عليه ذلك بالبينة أو الإقرار، استتابه السلطان، فإن تاب قبلت توبته، وإن أصر ولم يتب قُتل وفُعل به كذا وكذا، وبالغ في تغليظ أمره، وإن كان الكلام الذي قاله يحتمل أمورًا لا يكفر ببعضها، فلا

(1) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 255 - 256.

وقد ذكر ابن القيم رحمه الله أمثلة كثيرة للاستفسار من السائل والإجابة بحسب ذلك، فراجعها في (اعلام الموقعين) ج 4 ص 187 - 192

(2) (أدب المفتي) ص 134

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت