ونذكر الأدلة على هذا من كتاب الله ثم من السنة ثم نذكر أقوال العلماء فيها.
أولا الأدلة من كتاب الله تعالى:
1 -منها قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) التحريم: 6.
قال ابن كثير رحمه الله [قال سفيان الثوري عن منصور عن رجل عن علي رضي الله عنه في قوله تعالى (قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) يقول أدبوهم وعلموهم، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) يقول اعملوا بطاعة الله واتقوا معاصي الله وَامُروا أهليكم بالذكر ينجيكم الله من النار، وقال مجاهد (قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) قال اتقوا الله وأوصوا أهليكم بتقوى الله، وقال قتادة: تأمرهم بطاعة الله وتنهاهم عن معصية الله وأن تقوم عليهم بأمر الله وتأمرهم به وتساعدهم عليه فإذا رأيت لله معصية قَذَعْتهم عنها وزجرتهم عنها، وهكذا قال الضحاك ومقاتل: حق المسلم أن يعلِّم أهله من قرابته وإمائه وعبيده مافرض الله عليهم ومانهاهم الله عنه. وفي معنى هذه الآية الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي من حديث عبدالملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين فإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها» هذا لفظ أبي داود وقال الترمذي هذا حديث حسن، وروى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول صلى الله عليه وسلم مثل ذلك. قال الفقهاء: وهكذا في الصوم ليكون ذلك تمرينًا له على العبادة لكي يبلغ وهو مستمر على العبادة والطاعة ومجانبة المعاصي وترك المنكر، والله الموفق] [1] .
2 -وقوله تعالى (وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) طه: 132.
قال ابن كثير رحمه الله [وقوله (وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا أي استنقذهم من عذاب الله بإقام الصلاة واصبر أنت على فعلها، كما قال تعالى(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) ] [2] .
3 -وقوله تعالى (وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ، إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ، أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) البقرة: 130 - 133.
قال ابن كثير رحمه الله [وقوله (يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) أي أحسِنوا في حال الحياة والزموا هذا ليرزقكم الله الوفاة عليه، فإن المرء يموت غالبا على ماكان عليه ويُبعث على ما مات عليه، وقد أجرى الله الكريم عادته بأن من قصد الخير وُفِّقَ له وُيِّسَر عليه ومن نوى صالحا ثبت عليه. وهذا لا يعارض ما جاء في الحديث الصحيح «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى مايكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع فيسبق عليه الكتاب
(1) (تفسير ابن كثير) ج 4 ص 391
(2) (تفسير ابن كثير) ج 3 ص 171