قال الخطيب البغدادي رحمه الله: [أول أوصاف المفتي الذي يلزم قبول فتواه أن يكون بالغا، لأن الصبي لاحكم لقوله. ثم يكون عاقلا، لأن القلم مرفوع عن المجنون لعدم عقله. ثم يكون عدلا ثقة لأن علماء المسلمين لم يختلفوا في أن الفاسق غير مقبول الفتوى في أحكام الدين وإن كان بصيرًا بها وسواء كان حرًا أو عبدًا لأن الحرية ليست شرطا في صحة الفتوى. ثم يكون عالما بالأحكام الشرعية] [1] .
وقال ابن الصلاح رحمه الله [أما شروطه وصفاته: أن يكون مكلفًا مُسلمًا، ثقة مأمونًا، متنزها من أسباب الفسق ومُسقطات المروءة، لأن من لم يكن كذلك فقوله غير صالح للاعتماد وإن كان من أهل الاجتهاد. ويكون فقيه النفس، سليم الذهن، رصين الفكر، صحيح التصرف والاستنباط مستيقظًا. ثم ينقسم وراء هذا إلى قسمين: مستقل، وغير مستقل] [2] . وقوله (مكلفًا) أي بالغ عاقل، وقوله [مستقل وغير مستقل] أي في الاجتهاد في الشريعة كما سيأتي تفصيله إن شاء الله.
وقال ابن حمدان رحمه الله [ومن صفته وشروطه أن يكون مسلما عدلًا مكلفا فقيها مجتهدا يقظا صحيح الذهن والفكر والتصرف في الفقه وما يتعلق به. أما اشتراط إسلامه وتكليفه وعدالته فبالإجماع، لأنه يخبر عن الله تعالى بحكمه، فاعتبر إسلامه وتكليفه وعدالته لتحصل الثقة بقوله، ويبني عليه كالشهادة والرواية.] [3]
وقال ابن القيم رحمه الله [ذكر أبو عبدالله بن بطة في كتابه في الخلع عن الإمام أحمد أنه قال: لاينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال، أولها: أن تكون له نية، فإن لم يكن له نية لم يكن عليه نور ولاعلى كلامه نور. والثانية: أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة. الثالثة: أن يكون قويًا على ماهو فيه وعلى معرفته. الرابعة: الكفاية وإلا مضغه الناس. الخامسة: معرفة الناس. وهذا مما يدل على جلالة أحمد ومحله من العلم والمعرفة، فإن هذه الخمسة هي دعائم الفتوى، وأي شئ نقص منها ظهر الخلل في المفتي بحسبه] [4] . وقوله [الثالثة: أن يكون قويًا على ماهو فيه] المراد به أن يكون عالما بالشريعة، وقوله [الرابعة: الكفاية] أراد أن يكون مستغنيا في رزقه عن الناس، وقوله [الخامسة: معرفة الناس] أراد به معرفة العرف والواقع الذي يعيشه، وسيأتي تفصيل هذا بإذن الله تعالى.
فهذه العبارات المنقولة عن السلف الصالح رحمهم الله تبيِّن صفات المفتي وشروطه مجملة، وسنقوم فيما يلي بإذن الله بترتيبها مع تفصيل بعضها.
فنقول شروط المفتي - إثباتا ونفيا - هي:
1 -الإسلام. 2 - البلوغ.
3 -العقل. 4 - لا تُشترط الذكورة.
5 -لا تُشترط الحرية. 6 - لا تُشترط سلامة الحواس بإطلاق.
7 -العدالة. 8 - العلم الشرعي.
9 -علم الواقع (معرفة الناس وأعرافهم) .
(1) (الفقيه والمتفقه) ج 2 ص 156
(2) (أدب المفتي) ص 85 - 86
(3) (صفة الفتوى) ص 13
(4) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 199