قال العلامة شهاب الدين القرافي المالكي (ت 684 هـ) في كتابه «الفروق» في الفرق الثالث والتسعين، قال رحمه الله[إن الغزالي حكى الإجماع في إحياء علوم الدين، والشافعي في رسالته حكاه أيضا في: أن المكلَّف لايجوز له أن يُقدم على فعلٍ حتى يعلم حكم الله فيه. فمن باع وجب عليه أن يتعلم ماعيّنه الله وشرعه في البيع، ومن آجر وجب عليه أن يتعلم ماشرعه الله تعالى في الإجارة، ومن قارض وجب عليه أن يتعلم حكم الله تعالى في القراض، ومن صلى وجب عليه أن يتعلم حكم الله تعالى في تلك الصلاة، وكذلك الطهارة وجميع الأقوال والأعمال. فمن تعلّم وعمل بمقتضى ماعَلِم فقد أطاع الله طاعتين، ومن لم يعلم ولم يعمل فقد عصى الله معصيتين، ومن عَلِم ولم يعمل بمقتضى علمه فقد أطاع الله طاعة وعصاه معصية.
ويدل على هذه القاعدة أيضا من جهة القرآن، قوله تعالى - حكاية عن نوح عليه السلام - (إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ) هود: 47، ومعناه: ماليس لي بجواز سؤاله علم، فدلّ ذلك على أنه لايجوز له أن يقدم على الدعاء والسؤال إلا بعد علمه بحكم الله تعالى في ذلك السؤال وأنه جائز، وذلك سبب كونه عليه السلام عوتب على سؤال الله عز وجل لابنه أن يكون معه في السفينة لكونه سأل قبل العلم بحال الولد، وأنه مما ينبغي طلبه أم لا؟ فالعتب والجواب كلاهما يدل على أنه لابد من تقديم العلم بما يريد الإنسان أن يشرع فيه، إذا تقرر هذا فمثله أيضا قوله (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) الإسراء: 36، نهى الله تعالى نبيّه عليه السلام عن اتباع غير المعلوم فلا يجوز الشروع في شئ حتى يعلم، فيكون طلب العلم واجبا في كل حالة، ومنه قوله عليه السلام (طلب العلم فريضة على كل مسلم) ، قال الشافعي رحمه الله: طلب العلم قسمان: فرض عين وفرض كفاية، ففرض العين علمك بحالتك التي أنت فيها، وفرض الكفاية ماعدا ذلك] [1] .
الخلاصة:
دلت الأدلة السابقة من الكتاب والسنة والإجماع - الذي نقله القرافي - على وجوب العلم قبل القول والعمل، وعلى تحريم الإقدام على قول أو عمل إلا بعلم.
وقد أكثرتُ من إيراد الأدلة من الكتاب والسنة للتدليل على هذه القاعدة وهي (وجوب العلم قبل القول والعمل، وتحريم القول والعمل بغير علم) لتترسخ هذه القاعدة في أذهان المسلمين، وليلتزموا بها في أنفسهم ومع غيرهم، فلا يقولوا ولايفعلوا إلا مادَلَّ عليه الدليل، ولايقبلوا من غيرهم قولًا لا دليل عليه من الشريعة. ففي الاعتصام بهذه القاعدة صلاح عظيم للمسلمين بإذن الله تعالى، وفيها درء لفساد أهل البدع والأهواء والضلالات الذين يتكلمون في دين الله تعالى بغير علم، والله المستعان.
إذا علمت هذا، تبيَّن لك التفريط الشديد الواقع فيه كثير من المسلمين في هذه الأزمان والذي تمثل في الإقدام على الأقوال والأعمال بغير علم وبغير سؤال، وبلا مبالاة بتحليل أو تحريم، حتى إن الرجل ليطلب الرزق سنين بعمل لايبالي أحلال هو أم حرام؟.
ولم تقتصر هذه الآفة على العوام بل قد سرت في بعض المنتسبين إلى العلم الشرعي، فتراهم يُصدرون الفتاوى ويصنِّفون التآليف يبيحون فيها ويحظرون بلا بحث وبلا تحقيق بل وبلا أهلية أحيانا، وقد ذكرنا الوعيد الشديد في حق هؤلاء الذين يقولون على الله مالا يعلمون والذين يُضِلّون بأهوائهم بغير علم، قال (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ، لِيَوْمٍ عَظِيمٍ) المطففين: 4 - 5، وقال تعالى (سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ) الزخرف: 19. وهل دخل التبديل والتحريف على الديانات السابقة إلا من هذا الباب: باب الأقوال والآراء التي لامستند لها من الشريعة؟. وسوف أذكر بعض الأمثلة لأخطاء المؤلفين في العلوم الشرعية بما يبين لك صحة قولي هذا، وذلك في الباب السابع من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
(1) (الفروق) ج 2 ص 148 - 149، ط دار المعرفة