5 -قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنما الدنيا لأربعة نفرٍ: عبد ٍرزقه الله مالًا وعلمًا فهو يتقي رَبَّه فيه ويصلُ به رحمِه ويعلمُ لله فيه حقًا فهذا بأفضل المنازل، وعبدٍ رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالا، فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيَّته، فأجرهما سواء، وعبدٍ رزقه الله مالًا ولم يرزقه عِلمًا، فهو يخبطُ في ماله بغير علم، لا يتقي فيه رَبَّه ولايصل فيه رحمه، ولايعلمُ لله فيه حقًا، فهو بأخبث المنازل، وعبدٍ لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، فوزرهما سواء) [1] .
في هذا الحديث مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنين، وذم اثنين:
فمدح من عمل (أنفق ماله) بعلم: وهو صاحب المرتبة الأولى.
كما مدح من قال قولا بعلم: وهو صاحب المرتبة الثانية.
وذم من عمل (يخبط في ماله) بغير علم: وهو صاحب المرتبة الثالثة.
كما ذم من قال قولا بغير علم: وهو صاحب المرتبة الرابعة.
فمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال وعمل بعلم، وذم من قال وعمل بغير علم بل بجهل وجعله مستحقا للوزر وهذا يدل على أنه لم يعذره بالجهل إذ كان العلم واجبا عليه قبل القول والعمل، ومن فرّط في أداء الواجب لايُعذر ولايسقط عنه الإثم بل هو واقع في الإثم.
فدل هذا الحديث على تحريم القول والعمل بغير علم وعلى وجوب العلم قبل القول والعمل.
6 -قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار) [2] .فأثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على من عمل بعلم (وهو من عرف الحق فقضى به) ، كما ذم من عمل بغير علم (وهو من قضى على جهل) وذكر الوعيد الوارد في حقه بما يدل على أنه لم يعذره بالجهل لتقصيره في طلب العلم الواجب عليه قبل اشتغاله بالقضاء. فدل الحديث على تحريم القول والعمل بغير علم، وعلى وجوب العلم قبل القول والعمل.
(تنبيه) وردت الإشارة في موضعين - أعلاه - إلى عدم العذر بالجهل، وهذه المسألة فيها تفصيل، وفي النية أن أتكلم فيها في باب مستقل وهو الباب السادس في هذا الكتاب إذا شاء الله تعالى.
(1) الحديث رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح (2441) -- ورواه ابن ماجة وفيه قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (مَثَلُ هذه الأمة كمثل أربعة نفر) الحديث. كلاهما رواه عن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه
(2) رواه الأربعة عن بُريدة رضي الله عنه، وصححه الحاكم