سبق تعريف الإفتاء وأنه إجابة المفتي المستفتي عن حكم مسألته، أو هو الإخبار عن الحكم الشرعي في المسألة.
أما القضاء: فهو الإخبار عن الحكم الشرعي على سبيل الإلزام.
إذن فالمفتي والقاضي كلاهما مخبر عن الحكم الشرعي، ويزيد القاضي أن خبره مرتبط به إلزام، ومعنى الإلزام الأمر بتنفيذ الحكم [1] .
قال ابن فرحون المالكي رحمه الله [قال ابن رشيد: حقيقة القضاء الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام. قال غيره: ومعنى قولهم قضى القاضي أي ألزم الحق أهله، والدليل على ذلك قوله تعالى (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ) سبأ: 14 أي ألزمناه وحتَّمنا به عليه، وقوله تعالى چ? ? ? ?چ طه: 72، أي ألزِم بما شئت واصنع ما بدا لك] [2] . وقال ابن فرحون أيضا [وأما فيما عدا التنفيذ فالحاكم والمفتي فيه سواء] [3] . ومعنى (الحاكم) أي القاضي كما في قوله صلى الله عليه وسلم (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب ... ) [4] .
وقال النووي رحمه الله[قال الزهري رحمه الله تعالى: القضاء في الأصل إحكام الشئ والفراغ منه، ويكون القضاء إمضاء الحكم، ومنه قوله تعالى (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) الإسراء: 4. وسُمِّي الحاكمُ قاضيا لأنه يُمضي الأحكام ويُحكمها. ويكون قضى بمعنى أوجب.
فيجوز أن يكون سُمي قاضيا لإيجابه الحكم على من يجب عليه.
وسمي حاكما لمنعه الظالم من الظلم، يقال حكمتُ الرجلَ وأحكمته إذا منعته، وسُميت حكمة الدابة لمنعها الدابة من ركوبها رأسها، وسميت الحكمة حكمة لمنعها النفس من هواها] [5] .
فالفرق الأساسي بين الإفتاء والقضاء هو في الإلزام وعدمه، فالمفتي يُخبر السائل عن الحكم الشرعي في مسألته ولكن لايأمر بتنفيذ هذا الحكم، أما القاضي فهو يخبر الخصوم بالحكم الشرعي في الدعوى ويأمر أهل الشوكة (من الشُّرَط وغيرهم) بتنفيذ الحكم. إلا أن هناك فروقا أُُخَر بين الإفتاء والقضاء ولكنها مترتبة على الإلزام من عدمه، إذ لما كان حكم القاضي واجب النفاذ ترتب على هذا التشديد في صفات القاضي والتشديد في قبوله أقوال الخصوم، وعلى هذا يمكن إجمال الفروق بين الإفتاء والقضاء فيما يلي:
1 -الإلزام: وقد سبق بيان معناه. وملخصه أن القاضي يأمر بتنفيذ ماحكم به، أما المفتي فلا يأمر بتنفيذ ماأفتى به. ولكن هل فتوى المفتي مُلْزِمة للسائل ديانة ً وإن لم يُلزم بها قضاءً؟ فيها تفصيل سيأتي ذكره في الفصل التالي (أحكام المستفتي) إن شاء الله.
2 -صفات المفتي والقاضي: ترتب على كون حكم القاضي مُلزِما ً واجب النفاذ التشديد في شروط القاضي.
فالمفتي والقاضي كلاهما يجب أن يكون: مسلمًا، بالغا ً، عاقلًا، عدلًا، عالما ً (العلم الذي يتمكن معه من الاجتهاد في الشريعة) . ثم يختلفان في ثلاثة شروط وهى:
(1) (أدب المفتي والمستفتي) لابن الصلاح ص 106، و (اعلام الموقعين) لابن القيم ج 1 ص 36 - 38
(2) (تبصرة الحكام) لابن فرحون، ط مكتبة الكليات الأزهرية 1406هـ، ج 1 ص 11
(3) (تبصرة الحكام) ج 1 ص 131
(4) متفق عليه
(5) (صحيح مسلم بشرح النووي) ج 12 ص 2