الحرية: فالقاضي يشترط أن يكون حرا ً، أما المفتي فلا يشترط، ففتوى العبد صحيحة وجائزة مادام عدلا عالما.
الذكورة: فالقاضي يشترط أن يكون ذكرًا عند جمهور العلماء وهو الراجح لقوله صلى الله عليه وسلم (لن يفلح قوم وَلّوا أمرهم امرأة) [1] ، والقضاء ولاية، أما المفتي فلا يشترط فيه الذكورة، ففتوى المرأة جائزة ودواوين السنة مشحونة بأسئلة الصحابة والتابعين لعائشة وغيرها من أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، وهذا إفتاء منهن.
سلامة الحواس: كالبصر مشترطة في القاضي بالإجماع، أما المفتي فلا، فتجوز فتوى الأعمى والأخرس على ماسيأتي بيانه في صفة المفتي وشروطه [2] .
3 -النظر في طرق الإثبات الشرعية: نظرًا لما يترتب على حكم القاضي من إلزام الخصوم بحكمه وتنفيذه فيهم فإنه يجب عليه أن يتثبت في قبول أقوالهم مالا يجب على المفتي، فيجب على القاضي احضار المدعي عليه بجانب المدعي، ويسألهما عن البينات والشهود وينظر في عدالة الشهود ويطلب اليمين ممن وجبت عليه، ثم يفصل في الدعوى على الوجه المفصل في كيفية القضاء. أما المفتي فإنه يقبل قول السائل ولايطلب منه شهودا ً ولايمينا ً ولايطلب المفتي من السائل إحضار بقية أطراف المسألة ليتحقق مما نُسب إليهم، وكل ما يفعله المفتي ليحترز من احتمال خطأ السائل أن يقول المفتي في أول جوابه (إن كان الأمر كما قال السائل فالجواب كذا وكذا.) .
4 -فيمن يفتيه أو يحكم له: يجوز للمفتي أن يفتي نفسه أو قريبه وشريكه، ولايجوز للقاضي أن يحكم لنفسه أو لقريبه. وسيأتي تفصيل ذلك في حكم الإفتاء إن شاء الله.
5 -فيمن يتناوله قول كل منهما: قال ابن القيم رحمه الله [ولكن خطر المفتي أعظم من جهة أخرى، فإن فتواه شريعة عامة تتعلق بالمستفتي وغيره، وأما الحاكم فحكمه جزئي خاص لايتعدى إلى غير المحكوم عليه وله، فالمفتي يفتي حكما عامًا كليًا أن من فعل كذا ترتب عليه كذا، ومن قال كذا لزمه كذا، والقاضي يقضي قضاء معينًا على شخص معين، فقضاؤه خاص مُلزم، وفتوى العالم عامة غير ملزمة فكلاهما أجره عظيم، وخطره كبير] [3] .
6 -موضوعات الشريعة التي يتناولها كل منهما: المفتي يمكن أن يفتي في أي موضوع من موضوعات الشريعة فيفتي في مسائل الاعتقاد والتفسير وفي أحكام العبادات والمعاملات وغيرها. كما يشهد بذلك - على سبيل المثال - مجموع فتاوي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
أما القاضي: فلا دخل له في المسائل العلمية المتنازع فيها، ولا يجوز أن يُلزم أحدا ً باجتهاده فيها بغير حجة من كتاب أو سنة أو إجماع [4] . وقال القرافي [اعلم أن العبادات كلها على الاطلاق لايدخلها الحكم البته بل الفتيا فقط] [5] . وماقاله القرافي رحمه الله ليس على إطلاقه فقد استثنى هو منه بعض الصور كنصب الحاكم لأئمة الصلوات أو منعه للصلاة في بعض المواضع وأخذ الحاكم للزكاة في مواطن الخلاف. ويضاف إلى ماذكره حكم القاضي بالردة على جاحد العبادات أو تارك بعضها، وحكم الحكمين على المحرِم إذا قتل الصيد، وهذه كلها من مسائل العبادات. فالقاضي ليس له كثير تعلق بمسائل الاعتقاد والعبادات وإنما موضوعه الأساسي: المعاملات كالحقوق المالية بأنواعها والنكاح وتوابعه والحدود.
(1) رواه البخاري
(2) (أدب المفتي) لابن الصلاح ص 106 - 107
(3) (اعلام الموقعين) 1/ 38
(4) هذا ماذكره ابن تيمية (مجموع الفتاوي) ج 3 ص 238 - 240
(5) (الفروق) ج 4ص 48