فهرس الكتاب

الصفحة 268 من 1285

وهذه المسألة متعلقة بالسابقة، إذ قد ذهب بعض العلماء إلى أن للمفتي أن يمتنع عن الإجابة في هذه المسائل والتي يسميها كثير من العلماء المتأخرين مسائل الكلام.

قال ابن الصلاح [ليس له إذ استُفْتِيَ في شيء من المسائل الكلاميَّة أن يُفتي بالتَّفصيل، بل يمنع مستفتيه وسائر العامة من الخوض في ذلك أصلًا، ويأمرهم بأن يقتصروا فيها على الإيمان جملة من غير تفصيل ٍ، ويقولوا فيها وفيما ورد من الآيات والأخبار المتشابهة: إن الثابت فيها في نفس الأمر كل ماهو اللائق فيها بجلال الله وكماله وتقديسه المُطْلَقين، وذلك هو معتقدنا فيها، وليس علينا تفصيله وتعيينه، وليس البحث عنه من شأننا، بل نَكِلُ علم تفصيله إلى الله تبارك وتعالى، ونصرف عن الخوض فيه قلوبنا وألسنتنا، فهذا ونحوه عند أئمة الفتوى هو الصواب في ذلك، وهو سبيل سلف الأمة، وأئمة المذاهب المعتبرة، وأكابر الفقهاء والصالحين، وهو أصون وأسلم للعامة وأشباههم، ممن يدغل قلبه بالخوض في ذلك، ومن كان منهم اعتقد اعتقادا باطلا ً تفصيلا ً، ففي إلزامه بهذا صرف له عن ذلك الاعتقاد الباطل بما هو أهون وأيسر وأسلم.

وإذا عَزَّر ولي الأمر من حاد منهم عن هذه الطريقة، فقد تأسى بعمر بن الخطاب رضي الله عنه في تعزيره صبيغ بن عسل الذي كان يسأل عن المتشابهات على ذلك.

والمتكلمون من أصحابنا معترفون بصحة هذه الطريقة، وبأنها أسلم لمن سلمت له، وكان الغزالي منهم في آخر أمره شديد المبالغة في الدعاء والبرهنة عليها.

وذكر شيخه الشيخ أبو المعالي في كتابه «الغياثي» : أن الإمام يحرص ما أمكنه على جمع عامة الخلق على سلوك سبيل السلف في ذلك. واستفتي الغزالي في كلام الله تبارك وتعالى فكان من جوابه: وأما الخوض في أن كلامه تعالى حرف وصوت أو ليس كذلك فهو بدعة، وكل من يدعو العوام إلى الخوض في هذا فليس من أئمة الدينِ، وإنمَّا هو من المضِلِّين ومثاله من يدعو الصبيان الذين لايعرفون السباحة إلى خوض البحر، ومن يدعو الزَّمِنَ المقعد إلى السفر في البراري من غير مركوب.

وقال في «رسالة» له: الصواب للخلق كلهم إلا الشاذ النادر الذي لاتسمح الأعصار إلا بواحد منهم أو اثنين، سلوك مسلك السلف في الإيمان المرسل، والتصديق المجمل بكل ماأنزله الله تعالى، وأخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، من غير بحثٍ وتفتيش ٍ، والاشتغال بالتقوى ففيه شغل شاغل.

وفي كتاب «أدب المفتي والمستفتي» للصَّمْيري أبي القاسم: إن مما أجمع عليه أهل الفتوى أنَّ من كان موسوما ً بالفتوى في الفقه، لم ينبغ أن يضع خطَّهُ بفتوى في مسألة من الكلام، كالقضاء والقدر، والرؤية، وخلق القرآن، وكان بعضهم لايستتم قراءة مثل هذه الرقعة.

وحكى أبو عمر ابن عبدالبر الفقيه الحافظ الأندلسي: الامتناع من الكلام في كل ذلك عن الفقهاء والعلماء قديما وحديثا من أهل الحديث والفتوى، وقال: إنما خالف ذلك أهل البدع.

قال ابن الصلاح: [فإن كانت المسألة مما يؤمن في تفصيل جوابها من ضرر الخوض المذكور جاز الجواب تفصيلًا، وذلك بأن يكون جوابها مختصرًا مفهومًا، فيما ليس له أطراف يتجاذبها المتنازعون، والسؤال عنه صادر من مسترشد ٍ خاص ٍ، منقاد ٍ، أو من عامة ٍ قليلة ٍ التنازع والمماراة، والمفتي ممن ينقادون لفتواه ونحو هذا، وعلى هذا ونحوه يُخَرَّج

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت