ياصاحب الحوض لاتخبرنا فإنا نرد علي السباع وترد علينا. الحديث.
(والسابع) أن يظهر من السؤال معارضة الكتاب والسنة بالرأى ولذلك قال سعيد: أعراقىٌ أنت؟ وقيل لمالك بن أنس الرجل يكون عالما بالسُّنة أيجادل عنها قال: لا ولكن يُخبِر بالسنة فإن قبلت منه وإلا سكت.
(والثامن) السؤال عن المتشابهات، وعلى ذلك يدل قوله تعالى (فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) آل عمران: 7، وعن عمر بن عبدالعزيز: من جعل دينه عرضا للخصومات أسرع التنقل. ومن ذلك سؤال من سأل مالكا عن الاستواء، فقال الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والسؤال عنه بدعة.
(والتاسع) السؤال عما شجر بين السلف الصالح، وقد سئل عمر بن عبدالعزيز عن قتال أهل صفين فقال: تلك دماء كفّ الله عنها يدي، فلا أحب أن يلطَّخ بها لساني.
(والعاشر) سؤال التعنُّت والإفحام وطلب الغلبة في الخصام. وفي القرآن في ذم نحو (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ) البقرة: 204 وقال (بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) الزخرف: 58 وفي الحديث «أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» .
هذه جملة من المواضع التي يكره السؤال فيها، يقاس عليها ماسواها. وليس النهي فيها واحدا بل فيها ماتشتد كراهيته، ومنها مايخف، ومنها مايحرم ومنها مايكون محل اجتهاد. وعلي جملة منها يقع النهي عن الجدال في الدين كما جاء «إن المرِاءَ في القرآن كُفرٌُ» ، وقال تعالى (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) الأنعام: 68 الآية! وأشباه ذلك من الآي أو الأحاديث. فالسؤال في مثل ذلك منهي عنه، والجواب بحسبه] [1] .
ويلحق بهذا ماذكرناه في آداب التدريس بالنسبة للعالم في الباب السابق، من أنه يجب أن يخاطب الناس على قدر عقولهم ولايحدث بكل الحق كل الناس - مالم يترتب على ترك التحديث تقصير الناس في أداء الواجبات - وذكرنا هناك أن البخاري رحمه الله بَوَّب لهذه المسألة في بابين من كتاب العلم في صحيحه وهما (باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فَهْمُ بعض الناس عنه فيقعوا في أشدّ منه) ، و (باب من خصّ بالعلم قوما ً دون قوم ٍ كراهية أن لايفهموا) [2] . وهذا كله في الاختيار - كما ذكر البخاري - لا في الواجبات، حتى لا يحتج أحد بهذه الأدلة في كتمان العلم الواجب تبليغه والذي يترتب عليه القيام بالواجبات الشرعية، فإن التبليغ هو الأصل والاستثناء ماأشرنا إليه.
(1) (الموافقات) ج 4 ص 319 - 321
(2) قد أشار ابن القيم إلى نفس المسألة في (اعلام الموقعين) ج 4 ص 157 - 158