يُبلِّغ العالم ماعنده من العلم بإحدى ثلاث طرق: إما أن يبتديء الناس بما عنده من علم، وإما أن يعرضوا عليه ما عندهم من العلم فيُقره أو يُصَوِّبه، وإما أن يجيبهم إذا سألوه.
الطريقة الأولى: ابتداء العالم بالبلاغ
وهذا هو الأصل، ونذكر أدلته ثم صوره.
1 -أدلة وجوب ابتداء العالم الناس بالبلاغ
أ - قول الله عز وجل (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) الأنعام: 151، وقد ذكرنا قول القرطبي في تفسيرها.
ب - وقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ) المائدة: 67.
ج - وقوله تعالى (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) الضحى: 11.
د - قوله تعالى (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ) التوبة: 122، وفي هذه الآية أوجب الله على الطائفة التي تفقهت إنذار قومها.
هـ - وقد كان غالب حال النبيص في البلاغ هو ابتداؤه الناس بتبليغ العلم. وأخرج ابن عبد البر رحمه الله في كتابه (جامع بيان العلم) : باب [في ابتداء العالم جلساءه بالفائدة وقوله سلونى، وحرصهم على أن يؤخذ ما عندهم) وروى فيه بإسناده قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (خذوا عنِّى، خذوا عنِّى قد جعل الله لهن سبيلًا الثيِّب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة، والبكر بالبكر جلد مائة ونفى سنة) . وروى أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة يوم النحر على راحلته وقال خذوا عنى مناسككم فإنى لا أدرى لعلى لا أحج بعد حجتى هذه] [1] .
2 -صور ابتداء العالم الناس بالبلاغ.
أ - إلقاء العلم مشافهة، وهو الأصل، سواء كان ذلك بسببٍ باعث أو ابتداءً، وكان هذا هو غالب حال النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه رضي الله عنهم أن يبدأهم بالتحديث. كما أخرجه البخاري في باب (قول المحدث: حدثنا أو أخبرنا وأنبأنا) في كتاب العلم من صحيحه.
ب - التعليم بطريقة سؤال العالم للمتعلم، كما في سؤال النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عن الشجرة التي مثلها مثل المسلم وهو حديث النخلة [2] .
ج - كتابة العالم العلم للناس أو للطلاب، ومنه الإجازة والمناولة في التحديث، ومنه تأليف العلماء للكتب وروايتها عنهم ككتب الحديث والتفسير والفقه. ويدل عليه كتابة النبي صلى الله عليه وسلم لسرّية عبد الله بن جحش رضي الله عنه، وكتابتهص لملوك الآفاق في عصره يدعوهم إلى الإسلام، كما ذكره البخاري في باب (مايُذكر في المناولة، وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان) ، في كتاب العلم من صحيحه.
(فائدة) يتأكد ابتداء العالم بالبلاغ: في النوازل التي يُبتلى بها الناس، ولرد البدع والضلالات وتحذير الناس منها، لقوله تعالى (وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) التوبة: 122، ولقوله صلى الله عليه وسلم (من رأى منكم منكرًا فليغيره) [3] .
وقال أبو حامد الغزالي رحمه الله[وواجب أن يكون في مسجدٍ ومَحِلّةٍمن البلد فقيه يعلم الناس دينهم وكذا في كل قرية، وواجب على كل فقيه - فرغ من فرض عينه وتفرغ لفرض الكفاية- أن يخرج إلى من يجاور بلده من أهل السواد، ومن العرب والأكراد وغيرهم ويعلمهم دينهم وفرائض شرعهم، ويستصحب مع نفسه زادًا يأكله ولايأكل من أطعمتهم فإن أثرها مغصوب، فإن قام بهذا الأمر واحد سقط الحرج عن الآخرين وإلا عم الحرج الكافة أجمعين.
أما العالم فلتقصيره في الخروج. وأما الجاهل فلتقصيره في ترك التعلم - إلى أن قال - ولعمرى الإثم على الفقهاء أشد لأن قدرتهم فيه أظهر وهو بصناعتهم أليق.] [4] .
الطريقة ا لثانية: عرض الناس ماعندهم من ا لعلم على العالم فيُقِرّه أو يصححه لهم.
(1) (جامع بيان العلم، 1/ 113)
(2) أورده البخاري في كتاب العلم في باب (طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ماعندهم من العلم) . وأخرج ابن عبد البر في كتابه (جامع بيان العلم) : باب (طرح العالم المسألة على المتعلم) ج 1 ص 119
(3) رواه مسلم
(4) (إحياء علوم الدين) ج 2 ص 370 - 371