يجوز أن يمتنع المفتي عن إجابة السائل في أحوال منها:
1 -عندما يكون الإفتاء فرض كفاية علي المفتى، أى لم يتعين عليه، علي النحو الذى فصّلناه سابقا.
2 -إذا سأل المستفتى عن مسألة لم تقع، لم تجب إجابته:
كان السلف رحمهم الله يكرهون السؤال عما لم يقع، ولايجيبون عنه، فقد روى أبو خيثمة زهير بن حرب - في كتاب العلم - قال حدثنا جرير عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر قال [ياأيها الناس لاتسألوا عما لم يكن، فإن عمر كان يلعن أو يَسُبّ من يسأل عما لم يكن]
وروى أبو خيثمة قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدى حدثنا موسى بن على عن أبيه قال [كان زيد بن ثابت إذا سأله رجل عن شئ قال: آلله لكان هذا؟. فإن قال: نعم، تكلم فيه، وإلا لم يتكلم]
وهذا يرجع إلى مارواه سهل بن سعد رضى الله عنه قال [كَرِهَ رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها] [1] .
ومن هنا قال ابن الصلاح [وإذا سأل العامى عن مسألة لم تقع، لم تجب مجاوبته] [2] .
وقال ابن حمدان [إذا سأل عامى عن مسألة لم تقع لم تجب إجابته، لكن تستحب، وقيل يُكره، لأن بعض السلف كان لايتكلم فيما لم يقع. - إلى قوله - إن كان غرض السائل معرفة الحكم لاحتمال أن يقع له أو لمن سأل عنه: فلا بأس] [3] .
وفصَّل ابن القيم وجعل ضابط الكلام في هذه المسألة أمرين: هل فيها نص أم لا؟، وهل هى محتملة الوقوع أم لا؟. فقال [إذا سأل المستفتى عن مسألة لم تقع، فهل تستحب إجابته أو تُكره أو تخيّر؟. فيه ثلاثة أقوال، وقد حكى عن كثير من السلف أنه كان لايتكلم فيما لم يقع - إلى أن قال - والحق التفصيل: فإن كان في المسألة نصٌّ من كتاب الله أو سنة عن رسوله صلى الله عليه وسلم أو أثر عن الصحابة لم يُكره الكلام فيها. وإن لم يكن فيها نص ولاأثر فإن كانت بعيدة الوقوع أو مقدرة لاتقع لم يستحب له الكلام فيها، وإن كان وقوعها غير نادر ولامستبعد وغرضُ السائل الإحاطة بعلمها ليكون منها علي بصيرة إذا وقعت استحب له الجواب بما يعلم، لاسيما إن كان السائل يتفقه بذلك ويعتبر بها نظائرها، ويفرع عليها، فحيث كانت مصلحة الجواب راجحة كان هو الأولى، والله أعلم] [4] .
3 -إذا كان المستفتى يبحث عما يوافق غرضه من الفتوي لم تجب إجابته.
قال ابن القيم [بل ولايجب عليه أن يفتي هذا الضرب من الناس، فإنهم لايستفتون ديانة، وإنما يستفتون توصلا إلى حصول أغراضهم بأى طريق اتفق، فلا يجب علي المفتي مساعدتهم، فإنهم لايريدون الحق، بل يريدون أغراضهم بأى طريق وافق، ولهذا إذا وجدوا أغراضهم في أى مذهب اتفق اتبعوه في ذلك الموضع وتمذهبوا به، - إلى أن قال - وقال شيخنا رحمه الله مرة: أنا مخير بين إفتاء هؤلاء وتركهم، فإنهم لايستفتون للدين، بل لوصولهم إلي أغراضهم حيث كانت، ولو وجدوها عند غيري لم يجيئوا إلى، بخلاف من يسأل عن دينه، وقد قال الله تعالي لنبيه صلى الله عليه وسلم في حق من جاءه يتحاكم إليه لأجل غرضه لا لالتزامه لدينه صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب (فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ
(1) متفق عليه
(2) (أدب المفتى) ص 109
(3) (صفة الفتوى) ص 30
(4) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 221 - 222