فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 1285

والمقصود بيان العلوم الشرعية التي يجب تحصيلها ليتأدى فرض الكفاية في الأمة، وهي العلوم اللازمة لتأهيل العلماء والمفتين والقضاة والمحتسبين لأداء الوظائف الشرعية في الأمة، وهذا بيان للأمر الكَيْفيّ - المذكور في المسألة السابقة - اللازم لتأدىة فرض الكفاية من العلم.

وتبدأ هذه العلوم بكل مازاد عن فرض العين من العلوم إلى تحصيل جميع علوم الدين. وتحصيل هذا واجب على مجموع القائمين بفرض الكفاية لاعلى أعيانهم، كما سنذكره في المسألة التالية إن شاء الله تعالى.

وقد نقلنا في الفصل الأول من هذا الباب وصف بعض العلماء للعلوم اللازم تحصيلها لتحقيق فرض الكفاية، ومن هذا ما قاله الغزَّالي والنووي.

1 -قال أبو حامد الغزالي رحمه الله[إن هذه العلوم لها أصول وفروع ومقدمات ومتممات:

الضرب الأول: الأصول: وهي أربعة، كتاب الله عز وجل، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة وآثار الصحابة.

الضرب الثانى: الفروع: وهو مافُهم من هذه الأصول، وهذا على ضربين

أحدهما: يتعلق بمصالح الدنيا ويحويه كتب الفقه.

الثانى: مايتعلق بمصالح الآخرة وهو علم أحوال القلب وأخلاقه المحمودة والمذمومة.

الضرب الثالث: المقدمات: وهي التي تجرى منه مجرى الآلات كعلم اللغة والنحو.

الضرب الرابع: المتممات: وهي علوم القرآن وعلوم الحديث وأصول الفقه.

فهذه هي العلوم الشرعية وكلها محمودة بل كلها من فروض الكفايات] [1] .

2 -ونقلنا في الفصل الأول وصف النووي رحمه الله لفرض الكفاية من العلم وهو قوله [كحفظ القرآن والأحاديث وعلومها والأصول والفقه والنحو واللغة والتصريف ومعرفة رواة الحديث والإجماع والخلاف] [2] .

3 -وقال أبو محمد بن حزم رحمه الله، في الإحكام، في الباب الحادي والثلاثين، في كلامه عن (صفة المفتي الذي له أن يفتي في الدين وصفة الاجتهاد الواجب على أهل الإسلام) .

قال ابن حزم [وأما المنتصبون لطلب الفقه وهم النافرون للتفقه، الحاملون لفرض النفار عن جماعتهم، المتأهبون لنذرة قومهم، ولتعليم المتعلم وفتيا المستفتى، وربما للحكم بين الناس: ففرض عليهم تقصي علوم الديانة على حسب طاقتهم، من أحكام القرآن، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم، ورُتَبِ النقل، وصفات النقلة، ومعرفة المسند الصحيح مما عداه من مرسل وضعيف، هذا فرضه اللازم له، فإن زاد إلى ذلك معرفة الإجماع والاختلاف، ومن أين قال كل قائل، وكيف يرد أقاويل المختلفين المتنازعين إلى الكتاب والسنة: فحسن، وفرض عليه تعلم كيفية البراهين التي يتميز بها الحق من الباطل، وكيف يعمل فيما ظاهره التعارض من النصوص وكل هذا منصوص في القرآن.

قال تعالى (لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ) التوبة: 122، فهذا إيجاب لتعلم أحكام القرآن وأحكام أوامر النبي صلى الله عليه وسلم، لأن هذين أصل الدين.

وقال تعالى (إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) الحجرات: 6، فوجب بذلك تعرّف عدول النّقلة من فسّاقهم، وفقهائهم ممن لم يتفقه منهم.

وأما معرفة الإجماع فقد زعم قوم أن هذا يجب بقوله تعالى: (أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) النساء: 59، قال ففرض علينا معرفة ما اتفق عليه أولو الأمر منا، لاننا مأمورون بطاعتهم، ولايمكننا طاعتهم إلا بعد معرفة إجماعهم الذي يلزمنا طاعتهم فيه.

وأما معرفة الاختلاف ومعرفة مايتنازعون فيه ومعرفة كيفية الرد إلي الكتاب والسنة فبقوله تعالى (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ) النساء: 59. ففرض علينا معرفة ما يتنازعون فيه ومعرفة كيف يرد ذلك إلى الكتاب والسنة، لاننا إن لم نعرف الاختلاف ظننا أن القول الذي نسمعه من بعض العلماء لاخلاف فيه، فنتبعه دون أن نعرضه على القرآن والسنة، فنخطيء ونعصى الله تعالى إذ أخذنا قولا نهينا عن اتباعه.

(1) باختصار، وقد سبق بنصه في الفصل الأول نقلًا عن (إحياء علوم الدين، 1/ 27 - 28)

(2) (المجموع، 1/ 26)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت