قال أبو محمد: وهذا خطأ، لأننا إنما أمرنا تعالى بطاعة أولي الأمر فيما نقلوه إلينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما أن يقولوا من عند أنفسهم بحكم لانص فيه فماجاز هذا قط لأحد أن يفعله، ولاحل لأحد قط أن يطيع من فعله، وقد توعد الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم على هذا أشد الوعيد، فكيف على من دونه، قال تعالى (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) الحاقة: 44 - 47. فصح أن من قال في الدين بقول أضافه إلى الله تعالى فقد كذب وتقوّل على الله تعالى الأقاويل، وأن من لم يضفه إلى الله تعالى فليس من الدين أصلا، لكن معرفة الاختلاف علم زائد، قال سعيد بن جبير: أعلم الناس أعلمهم بالاختلاف. وصدق سعيد، لأنه علم زائد، وكذلك معرفة من أين قال كل قائل؟.
فأما معرفة كيفية إقامة البرهان فبقوله تعالى (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) البقرة: 111 النمل: 64.
وقال تعالى (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) البقرة: 106، ففرض علينا معرفة الناسخ من المنسوخ.
وفرض على من قصد التفقه في الدين كما ذكرنا أن يستعين على ذلك من سائر العلوم بما تقتضيه حاجته إليه في فهم كلام ربه تعالى، وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) إبراهيم: 4، ففرض على الفقيه أن يكون عالما بلسان العرب ليفهم عن الله عز وجل، وعن النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون عالما بالنحو الذي هو ترتيب العرب لكلامهم الذي به نزل القرآن، وبه يفهم معاني الكلام التي يعبر عنها باختلاف الحركات وبناء الألفاظ، فمن جهل اللغة وهي الألفاظ الواقعة على المسميات، وجهل النحو الذي هو علم اختلاف الحركات الواقعة لاختلاف المعاني: فلم يعرف اللسان الذي به خاطبنا الله تعالى ونبينا عليه السلام، ومن لم يعرف ذلك اللسان لم يحل له الفتيا فيه، لأنه يفتي بمالا يدري، وقد نهاه الله تعالى عن ذلك بقوله تعالى (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) الإسراء: 36. وبقوله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ) الحج: 3. وبقوله تعالى (هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ) آل عمران: 66. وقال تعالى (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ) النور:15.
وفرض على الفقيه أن يكون عالما بسِيَر النبي صلى الله عليه وسلم ليعلم آخر أوامره وأولها، وحربه عليه السلام لمن حارب، وسِلمه لمن سالم، وليعرف على ماذا حارب، ولماذا وضع الحرب؟، وحرم الدم بعد تحليله، وأحكامه عليه السلام التي حكم بها.
فمن كانت هذه صفته، وكان وَرِعًا في فتياه، مشفقا على دينه، صليبا في الحق، حلت له الفتيا، وإلا فحرام عليه أن يفتي بين اثنين، أو أن يحكم بين اثنين، وحرام على الإمام أن يقلده حكما، أو يتيح له فتيا، وحرام على الناس أن يستفتوه، لأنه إن لم يكن عالما بما ذكرنا فلم يتفقه في الدين، وإن لم يكن مشفقا على دينه فهو فاسق، وإن لم يكن صليبا لم يأمر بمعروف ولانهى عن منكر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرضان على الناس، قال تعالى (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) آل عمران: 104. وهذا متوجه إلى العلماء بالمعروف وبالمنكر، لأنه لايجوز أن يدعو إلى الخير إلا مَنْ علمه، ولايمكن أن يأمر بالمعروف إلا مَنْ عرفه، ولا يقدر على إنكار المنكر إلا مَن مَيّزه.