سبق ذكر هذه المسألة عند الكلام في مراتب المفتين في الفصل السابق (أحكام المفتي) ، وإذا كنا قد بيّنا - فيما سبق - أن الواجب على المستفتي استفتاء المفتي المؤهل، فإن هذا يجب بحسب القدرة عليه، فإذا لم يجد المستفتي مفتيا مؤهلا لا ببلده ولا بالارتحال أو لا يمكنه الارتحال إليه، انتقل المستفتي إلى مَنْ دون المفتي المؤهل في الرتبة - كما ذكرناه في مراتب المفتين في الفصل السابق - فعند فقد المفتي المؤهل وهو المجتهد المستقل.
يستفتى المفتي غير المستقل (المنتسب لمذهب) ، فإن لم يجده:
يستفتي المجتهد في باب أو مسألة إن كانت مسألته، فإن لم يجده:
يستفتي من تفقه وقرأ كتابا من كتب الفقه، فإن لم يجده:
يستفتي من كان عنده كتب الحديث أو بعضها، فإن لم يجده:
يستفتي العامي الذي يعرف حكم مسألته، فإن لم يجده:
فهذا هو موضوع مسألتنا (إذا لم يجد المستفتي من يفتيه ألبته) وهذه الصورة جائزة الحدوث في أي زمان، وهي صورة الخلو النسبي للأرض من المجتهدين والمفتين، في مقابل الخلو المطلق الذي لايقع إلا قبيل قيام الساعة كما ذكرناه بدليله في الفصل السابق.
وقد ذكرنا في الفصل السابق أن في هذه المسألة قولين:
القول الأول: قول فقهاء الشافعية كإمام الحرمين وابن الصلاح والنووي: أنه لاتكليف عليه ويفعل ما يشاء، كمن لم تبلغه الدعوة ولا مؤاخذة عليه. وكذلك قال الشاطبي من المالكية.
والقول الثاني: قول ابن القيم إنه يتقي الله مااستطاع ويفعل مايغلب على ظنه أنه الحق والصواب، فإن للحق أمارات، فإن لم يتبين له شيء فالأمر كما قاله فقهاء الشافعية آنفا.
وقد ذكرنا أقوال الفريقين في الفصل السابق فلا داعي لإعادتها هنا، وذكرنا هناك أن القول الذي نطمئن إليه هو قول ابن القيم رحمه الله أنه يتقي الله مااستطاع ويفعل مايظنه الحق فإن عجز فلا تكليف عليه. فابن القيم لم يُسقط عنه التكليف ابتداء وإنما ألزمه بتحري الصواب قبل ذلك، وهذا هو ماتشهد له الأدلة الشرعية كما بيَّنا ذلك في الفصل السابق.