فهرس الكتاب

الصفحة 1026 من 1285

المسألة الثانية: بيان تعلّق مسائل التشريع والحكم والتحاكم بتوحيد الله عز وجل

ينبغي لكل مسلم شفوق على دينه يخشى مقامه بين يدي الله عز وجل أن يعلم أن هذه المسائل - مسائل التشريع والحكم والتحاكم - ليست من مسائل الأحكام الفرعية في الدين وإنما هي داخلة في أصل الإيمان وصلب التوحيد.

ويتبين هذا بمعرفة أن الله سبحانه قد خلق الخلقَ لعبادته وحده لا شريك له، وجعل لهم جنةً ونارًا ليجزيهم بأعمالهم في الآخرة، فقال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) الذاريات: 56، وهذا مع غِناه جل شأنه عن خلقه وعن عبادتهم كما قال تعالى (وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ) إبراهيم: 8.

وقد فَطَر الله الخلقَ على معرفته وتوحيده، وأرسل إليهم الرُّسل في هذه الدنيا يذكرونهم بما فطرهم الله عليه ويعلمونهم ما يجب عليهم من عبادته جل شأنه. وقد ظل الخلق على الدين الحق وهو عبادة الله وحده لا شريك له قرونًا عديدة بعدما أهبط الله آدم وزوجه من الجنة إلى الأرض حتى دبّ إليهم الشرك فبعث الله الرسل مبشرين ومنذرين، قال تعالى (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) البقرة: 213. قال ابن كثير رحمه الله [قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، رواه الحاكم وقال إسناده صحيح، وقال ابن كثير: إن الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام فبعث الله إليهم نوحًا عليه السلام، فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض] [1] .

واعلم أن الرسل عليهم السلام وإن اختلفت شرائعهم في الأحكام كما قال تعالى (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) المائدة: 48، إلا أنهم بُعثوا جميعا باعتقاد واحد وهو الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له - أي الإيمان بالله والكفر بالطاغوت - كما قال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) النحل: 36، والطاغوت هو كل ما عبد أو تحوكم إليه من دون الله، ولما كانت دعوتهم في ذلك واحدة فقد قال رسول الله عليه الصلاة والسلام (إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد، الأنبياء إخوة لعلاّت) [2] .

وعبادة الله وحده لا شريك له تعني توحيده جل شأنه كما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام - لمعاذ بن جبل لما أرسله إلى أهل اليمن - (إنك تقدُم على قوم ٍمن أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحِّدوا الله تعالى) [3] . وقد سبق في أكثر من موضع بهذا الكتاب - كما في بيان فرض العين من العلم بالباب الثاني وكما في بيان موضوعات الاعتقاد في أول مبحث الاعتقاد بهذا الباب - بيان أن التوحيد نوعان:

النوع الأول: توحيد الربوبية: وهو اعتقاد وحدانية الله تعالى وتفرده في ذاته وأفعاله وأسمائه وصفاته، لا شريك له في شيء من هذا، والرب هو المالك المتصرف. ويُعرف توحيد الربوبية أيضا بتوحيد المعرفة والاثبات أو التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي، لأن المطلوب من العبد فيه هو معرفة الرب بأفعاله وأسمائه وصفاته واثبات ما يجب له سبحانه من ذلك معرفة واعتقادًا [4] . وكل من جعل لله تعالى شريكا في ذاته أو أفعاله أو أسمائه أو صفاته فقد أشرك بالله في ربوبيته وكَفَر بالله تعالى كما قال جل شأنه (وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ

(1) (تفسير ابن كثير) 1/ 250، باختصار

(2) رواه البخاري

(3) الحديث متفق عليه

(4) انظر (فتح المجيد) ص 14، و (معارج القبول) 1/ 54

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت