أَصْحَابِ النَّارِ) الزمر: 8.
ومن أفعال الله تعالى التي اختص بها نفسه وتفرّد بها حق التشريع لخلقه بوضع الأحكام والأوامر والنواهي لهم وقد دَلّ على تفرّد الله تعالى بهذا الفعل: قوله تعالى (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ) يوسف: 40، وقوله تعالى (أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ) الأنعام: 62، وقوله تعالى (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ) الأعراف:54، وقال تعالى (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) الشورى: 10، وأكد الله تعالى تفرّده واختصاصه بحق وضع الأحكام لخلقه بقوله تعالى (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) الكهف: 26. وبالتالي فإن كل من تولى التشريع للناس من دون الله فقد جعل نفسه شريكا لله في ربوبيته إذ شارك الربَّ في فعله الذي اختص به نفسه، وبهذا وصفه الله بقوله تعالى (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ) الشورى: 21، ومن جعل نفسه شريكا لله في التشريع للخلق فقد جعل نفسه ربًا لهم، ومن خوَّله هذا الحق أو أطاعه فيما يشرعه من دون الله فقد اتخذه ربًا كما قال تعالى (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ) التوبة: 31، وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه - وكان نصرانيا فأسلم: أنه سمع النبيَّ عليه الصلاة والسلام يقرأ هذه الآية (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) التوبة: 31، فقال: إنا لسنا نعبدهم. قال عليه الصلاة والسلام (أليس يُحرّمون ماأحَلّ الله فتحرّمونه، ويُحلون ما حرم الله فتحلونه؟) فقال: بلى، قال عليه الصلاة والسلام (فتلك عبادتهم) [1] . وقال الألوسي في تفسير هذه الآية [الأكثرون من المفسرين قالوا: ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا أنهم آلهة العالم، بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم] . وفي الدول الجاهلية المعاصرة (المسماة بالعلمانية) يتولى سلطة التشريع للخلق جهات متعددة على رأسها البرلمان حيث تنص الدساتير على أنه (يتولى مجلس الأمة سلطة التشريع) ويتولاها رئيس الدولة الذي له حق إصدار قرارات بقوانين حسبما تنص الدساتير، وهؤلاء المشرعون من دون الله قد جعلوا أنفسهم شركاء لله في ربوبيته ونصبوا أنفسهم أربابًا للناس من دون الله كما دلّت عليه النصوص السابقة. وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي [ولما كان التشريع وجميع الأحكام، شرعية كانت أو كونية قدرية، من خصائص الربوبية، كما دلت عليه الآيات المذكورة، كان كل من اتبع تشريعًا غير تشريع الله قد اتخذ ذلك المشرِّع ربًا، وأشركه مع الله] [2] .
وبهذا تعلم أن إفراد الله تعالى بحق التشريع داخل في صميم توحيد الربوبية وأن أي إخلال بذلك هو مناقضة لهذا التوحيد وكُفْر بالله تعالى، كما قال تعالى (وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) الزمر: 8، وقال تعالى (وَلاَ يَامُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَامُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ) آل عمران: 80. فإذا كان من اتخذ الملائكة و النبيين أربابا يكفر، فكيف بمن دونهم؟.
وهذا في بيان تعلق مسألتي الحكم والتشريع بتوحيد الربوبية.
النوع الثاني: توحيد الألوهية: وهو إفراد الله تعالى بالعبادة، فالإله هو المعبود، فمن عَبَد الله وحده بسائر أنواع العبادات القلبية والظاهرة فهو العبد المؤمن الموحِّد، ومن عَبَد غيره أو عَبَدَهُ وعَبَد غيره فهو المشرك الكافر. ولا تصح العبادة إلا باجتناب الشرك كما قال تعالى (وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) النساء: 36، وقال تعالى (أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) النحل: 36. ويُسمى توحيد الألوهية بتوحيد العبادة كما يُسمى بالتوحيد الإرادي القصدي الطلبي. وذلك
(1) رواه أحمد والترمذي وحسّنه
(2) (أضواء البيان) 7/ 169