لأن المطلوب من العبد فيه - ليس مجرد معرفة الرب واثبات ما يجب له كما في توحيد الربوبية - ولكن المطلوب فيه أن يفرد العبد ربَّه بالعبادة وأن يفرده بإرادته وقصده وطلبه، فلا يعبد غيره ولا يقصد غيره. ولا يصح إيمان العبد حتى يأتي بنوعي التوحيد.
وقد افتتح الله عز وجل القرآن وختمه ببيان نوعي التوحيد، وذلك في سورتي الفاتحة والناس، ثم إن القرآن كله فيما بينهما هو تفصيل وبيان لهذا المعنى: وهو وجوب إفراد الله بالربوبية والألوهية، وبيان كيفية عبادته، وبيان ثواب من أطاعه وعقوبة من عصاه.
فقال تعالى في سورة الفاتحة (الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) الفاتحة: 2 - 4 فهذا في توحيد الربوبية وهو إثبات الربوبية والمُلك لله واثبات أسمائه وصفاته (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) ، ثم قال تعالى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) الفاتحة: 5 وهذا في توحيد الألوهية وهو إفراده سبحانه بالعبادة والاستعانة وهي من أنواع العبادة، وفي تقديم المفعول (إِيَّاكَ) في الجملتين - وهو من أساليب الحصر - دليل على وجوب إفراد الله بالعبادة.
وقال جل شأنه في سورة الناس (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ) الناس: 1 - 2 فهذا اثبات لتوحيد الربوبية، ثم قال تعالى (إِلَهِ النَّاسِ) الناس: 3 وهذا في اثبات توحيد الألوهية. وبهذا افتتح القرآن وختم ببيان نوعي التوحيد.
واعلم أن توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية ولا ينعكس، فلا يوحِّد الله بالعبادة (وهذا هو توحيد الألوهية) إلا من اعتقد وحدانيته وتفرده في ذاته وأفعاله وأسمائه وصفاته (وهذا هو توحيد الربوبية) . ولكن قد يوجد توحيد الربوبية بدون توحيد الألوهية وذلك عند من يعرف وجود الرب سبحانه ويثبت له المُلك والخلق والتدبير وهو مع ذلك لا يعبده أو يُشرك في عبادته. وقد كان هذا هو حال سائر الأمم الذين أرسل إليهم الرسل، يقرون بأن الله هو الخالق المالك المدبر للكون وهذا إقرار بالربوبية وهم مع ذلك يعبدون غيره بشتى أنواع العبادة كالخوف والرجاء والمحبة والدعاء والنذر والذبح والتحاكم وهذا إشراك في الألوهية، فوبّخهم الله في القرآن إذ كيف يقرون له بالربوبية ثم لا يفردونه بالعبادة؟، ومن هذا قوله تعالى (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ) يونس: 31، وقال تعالى (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) الزخرف: 87. ومع إقرارهم بالربوبية احتج الله عليهم بأن الخالق المالك الرازق المدبر هو وحده المستحق للعبادة فقال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ) البقرة: 21، وقال تعالى (أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) النحل: 17، وقال تعالى (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ) النحل: 20، وقال تعالى (أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ) الأعراف: 191، وقال تعالى (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ) الأعراف: 54.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وليس المراد بالتوحيد: مجرد توحيد الربوبية. وهو اعتقاد أن الله وحده خلق العالم، كما يظن ذلك من يظنه من أهل الكلام والتصوف. ويظن هؤلاء أنهم إذا أثبتوا ذلك بالدليل فقد أثبتوا غاية التوحيد. وأنهم إذا شهدوا هذا وفنوا فيه فقد فنوا في غاية التوحيد فإن الرجل لو أقر بما يستحقه الرب تعالى من الصفات ونزّهه عن كل ما ينزه عنه. وأقر بأنه وحده خالق كل شيء. لم يكن موحدًا حتى يشهد أن لا إله إلا الله وحده. فيقرّ بأن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة. ويلتزم بعبادة الله وحده لا شريك له. - إلى أن قال -. فإن مشركي العرب كانوا مقرّين بأن الله وحده خالقُ كل شيء. وكانوا مع هذا مشركين. قال تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ) يوسف: