فهرس الكتاب

الصفحة 342 من 1285

المسألة العاشرة: يُحسن بالمفتي إذا مَنَع أن يدل على المباح.

قال ابن القيم] من فقه المفتي ونصحه إذا سأله المستفتي عن شئ فمنعه منه، وكانت حاجته تدعوه إليه، أن يدله على ماهو عوض له منه، فيسد عليه باب المحظور، ويفتح له باب المباح، وهذا لايتأتى إلا من عالم ناصح مشفق قد تاجر الله وعامله بعلمه، فمثاله في العلماء مثال الطبيب العالم الناصح في الأطباء يحمي العليل عما يضره، ويصف له ما ينفعه، فهذا شأن أطباء الأديان والأبدان، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «مابعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير مايعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم» . وهذا شأن خُلُق الرسل وورثتهم من بعدهم، ورأيت شيخنا قدس الله روحه يتحرى ذلك في فتاويه مهما أمكنه، ومن تأمل فتاويه وجد ذلك ظاهرًا فيها، وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم بلالا أن يشتري صاعا من التمر الجيد بصاعين من الرديء، ثم دله على الطريق المباح، فقال «بِعِ الجميع بالدراهم، ثم اشتر بالدراهم جَنيبًا» فمنعه من الطريق المحرم، وأرشده إلى الطريق المباح، ولما سأله عبدالمطلب بن ربيعة بن الحارث والفضل بن عباس أن يستعملهما في جباية الزكاة ليصيبا ما يتزوجان به منعهما من ذلك، وأمر محمية بن جزو - وكان عَلَى الخمس - أن يعطيهما ماينكحان به، فمنعهما من الطريق المحرم، وفتح لهما الطريق المباح، وهذا اقتداء منه بربه تبارك وتعالى، فإنه يسأله عبده الحاجة فيمنعه إياها، ويعطيه ماهو أصلح له وأنفع منها، وهذا غاية الكرم والحكمة [[1] . وكان عبدالمطلب والفضل أرادا من جباية الزكاة أن يحصلا على سهم العاملين عليها منها، فمنعهما النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك إذ إن الصدقة الواجبة (الزكاة) لاتحل لآل البيت، وهما منهم، وإن كانت تحل لهم صدقة التطوع كالشرب من الأسبلة الموقوفة ونحو ذلك، وأعطاهما النبي صلى الله عليه وسلم من الخمس (خمس الغنائم) لأنهما من ذوي القربى وهم من أهل الخمس كما قال تعالى (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى) الأنفال: 41.

(1) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 159 - 160

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت