ونذكر فيها ثلاث مسائل: الأدلة على وجوب تلبيغ العامي للعلم، وشروط تبليغ العامي للعلم، وصور تبليغ العامي للعلم.
أولا: الأدلة على وجوب تبليغ العامي للعلم:
1 -منها قول النبي صلى الله عليه وسلم (ليُبلِّغ الشاهد الغائب) [1] ، ولم يقيد البلاغ ببلوغ الغاية في العلم، ومعلوم أن الصحابة رضي الله عنهم كان فيهم العلماء (وهم القُرَّاء) وغير العلماء، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم (ألا سألوا إذا لم يعلموا، فإنما شفاء العِيّ السؤال) الحديث وقد سبق. فأمرهم صلى الله عليه وسلم جميعا بالتبليغ ولم يفرق بين عالم وغير عالم.
2 -ويؤكد هذا قوله صلى الله عليه وسلم (نضَّر الله امْرَأً سَمِع مقالتي فبلَّغها، فرُبَّ حامل فِقه غير فقيه، ورُبّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه) [2] ، وموضع الدلالة منه قوله صلى الله عليه وسلم (غير فقيه) ومع هذا حَثّه على تبليغ العلم. قال ابن حجر رحمه الله [فيه الحثّ على تبليغ العلم، وأن الفهم ليس شرطا في الأداء] [3] .
ثانيا: شروط تبليغ العامي للعلم:
وشرطه: ضبط العامي لما ينقله من العلم. وأعلى الضبط أن يُبَلِّغ ماعلمه باللفظ الذي سمعه دون تصرف منه فيه وإن ظن أنه لايُخل بالمعنى. لأنه ليس من أهل ذلك، فإن الذين جوَّزوا رواية الحديث بالمعنى اشترطوا أن يكون الراوي فقيها عالما باللغة.
والدليل على ما ذكرناه من شرط:
1 -قول النبي صلى الله عليه وسلم (نضّر الله امرْأَ سمع منا شيئا فبلّغه كما سمعه، فرُب مُبَلَّغ أوعى من سامع) [4] .
وموضع الدلالة في هذا الحديث، قوله صلى الله عليه وسلم (فبلّغه كما سمعه) . وهذا يدل على شرط ضبط العامي لما ينقله من العلم إلى غيره، وهذا الشرط يحقق فائدتين:
الأولى: نشر العلم بقيام العالم وغير العالم بواجب التبليغ، فَيَعْظُم نشر العلم بهذا، خاصة في الأماكن التي تخلو من العلماء ويتعذر على أهلها الوصول إلى العلماء.
الثانية: الأمن من التحريف والتبديل، بضبط العامي لما ينقله.
ثالثا: صور تبليغ العامي للعلم:
منها: التعليم والفتوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
1 -التعليم: يُبلِّغ العامي العلم بتعليمه لغيره، بالشرط السابق، خاصة مَن هم في مسئوليته كأهله وخدمه. قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) التحريم: 6، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) [5] .
قال أبو حامد الغزالي رحمه الله [وكل عامي عرف شروط الصلاة فعليه أن يعرِّف غيره، وإلا فهو شريك في الإثم، ومعلوم أن الإنسان لايولد عالما بالشرع وإنما يجب التبليغ على أهل العلم، فكل من تعلم مسألة واحدة فهو من أهل
(1) متفق عليه
(2) رواه أحمد بإسناد صحيح عن زيد بن ثابت رضي الله عنه
(3) (فتح الباري) ج 1 ص 159
(4) رواه الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح
(5) متفق عليه