فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 1285

فان كان مع ماذكرنا قويا على إنفاذ الأمور، حَسَن السياسة، حَلّ له القضاء والإمارة، وإلا فلا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف» . وقال عليه السلام لأبي ذر: «ياأبا ذر إني أحب لك ماأحب لنفسي إنك ضعيف فلا تأمّرن على اثنين ولا تولين مال يتيم» . وكان أبو ذر رضي الله عنه ممن له أن يفتي، ولم يكن ممن له أن يقضي.

فحدّ الفقه هو المعرفة بأحكام الشريعة من القرآن، ومن كلام المرسَل بها، الذي لاتؤخذ إلا عنه، وتفسير هذا الحد كما ذكرنا المعرفة بأحكام القرآن وناسخها ومنسوخها، والمعرفة بأحكام كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ناسخه ومنسوخه، وما صح نقله مما لم يصح، ومعرفة ماأجمع العلماء عليه، وما اختلفوا فيه، وكيف يرد الاختلاف إلى القرآن وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا تفسير العلم بأحكام الشريعة.

وكل من علم مسألة واحدة من دينه على الرتبة التي ذكرنا جاز له أن يفتي بها، وليس جهله بما جهل بمانع من أن يفتي بما علم، ولا علمه بما علم بمبيح له أن يفتي فيما جهل، وليس أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقد غاب عنه من العلم كثير هو موجود عند غيره، فلو لم يُفْتِ إلا من أحاط بجميع العلم لما حل لأحد من الناس بعد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يفتي أصلا، وهذا لايقوله مسلم، وهو إبطال للدين، وكفر من قائله. وفي بعثة النبي صلى الله عليه وسلم الأمراء إلى البلاد ليعلموا الناس القرآن وحكم الدين ولم يكن أحد منهم يستوعب جميع ذلك، لأنه قد كان تنزل بعدهم الآيات والأحكام: بيان صحيح بأن العلماء وإن فاتهم كثير من العلم فإن لهم أن يُفْتُوا ويقضوا بما عرفوا.] [1] .

4 -وقال أبو عمر بن عبدالبر رحمه الله - في صفة فرض الكفاية من العلم -[طلب العلم درجات ومناقل ورتب لاينبغي تعديها ومن تعداها جملة فقد تعدى سبيل السلف رحمهم الله ومن تعدى سبيلهم عامدًا ضل ومن تعداه مجتهدًا زل. فأول العلم حفظ كتاب الله جل وعز وتفهمه وكل مايعين على فهمه فواجب طلبه معه ولا أقول إن حفظه كله فرض ولكن أقول إن ذلك واجب لازم على من أحب أن يكون عالما ليس من باب الفرض * حدثنا عبدالوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا سعيد بن سليمان قال حدثنا ميمون أبو عبدالله عن الضحاك في قوله (كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ) آل عمران: 79، قال حق على كل من تعلم القرآن أن يكون فقيها فمن حفظه قبل بلوغه ثم فرغ إلى مايستعين به على فهمه من لسان العرب كان له ذلك عونًا كبيرا على مراده منه ومن سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ينظر في ناسخ القرآن ومنسوخه وأحكامه، ويقف على اختلاف العلماء واتفاقهم في ذلك وهو أمر قريب على من قرّبه الله عليه، ثم ينظر في السنن المأثورة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فبها يصل الطالب إلى مراد الله جل وعز في كتابه وهي تفتح له أحكام القرآن فتحا. وفي سير رسول الله صلى الله عليه وسلم تنبيه على كثير من الناسخ والمنسوخ في السنن ومن طلب السنن فليكن معوله على حديث الأئمة الثقات الحفاظ الذين جعلهم الله خزائن لعلم دينه وأمناء على سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومما يستعان به على فهم الحديث ماذكرناه من العون على كتاب الله وهو العلم بلسان العرب ومواقع كلامها وسِعَة لغتها واستعارتها ومجازها وعموم لفظ مخاطبتها وخصوصه وسائر مذاهبها لمن قدر فهو شئ لايستغنى عنه. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكتب إلى الآفاق أن يتعلموا السنة والفرائض واللحن يعني النحو كما يتعلم القرآن وقد تقدم ذكر هذا الخبر عنه فيما سلف من كتابنا.

(1) (الإحكام في أصول الأحكام) ج 5 ص 124 - 128 باختصار يسير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت