وفي هذا المقام أوصي الإخوة الدعاة والوعّاظ وكل مشتغل بالعلوم الشرعية أن ينشروا هذه المسألة في عموم المسلمين، ألا وهي وجوب العلم قبل القول والعمل، وحرمة الإقدام على قول أو عمل بغير علم، ففي نشر هذا الأمر إحياء لفريضة طلب العلم بين المسلمين وهذا باب عظيم من أبواب الخير، بل العلم كما وصفه ابن القيم هو مفتاح دار السعادة وهي الجنة بإذن الله تعالى.
(فائدة) وفاء الشريعة بمصالح العباد إلى يوم القيامة.
اعلم أن القول (بوجوب العلم قبل القول والعمل) يصدق على الجماعات والدول كما يصدق على الأفراد. واعلم أن هذا القول يتضمن القول بوفاء الشريعة بمصالح العباد والجماعات والدول إلى يوم القيامة، سواء في ذلك المصالح الدنيوية أو الأخروية، لأنها إذا لم تكن وافية بذلك انخرمت قاعدة (وجوب العلم قبل القول والعمل) ، فوجوب العلم بالحكم الشرعي في كل أمر قبل الإقدام عليه يعني وفاء الشريعة بذلك.
وقد دل على وفاء الشريعة بالأحكام إلى يوم القيامة أدلة كثيرة منها:
1 -قول الله عز وجل (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ) النحل: 89.
2 -وقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا) النساء: 59.
قال ابن القيم رحمه الله[ومنها: أن قوله (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ) نكرة في سياق الشرط تعم كلَّ ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين دِقِّه وجِله، جلِيه وخفِيه، ولو لم يكن في كتاب الله ورسوله بيان حكم ما تنازعوا فيه ولم يكن كافيا لم يأمر بالرد إليه، إذ من الممتنع أن يأمر تعالى بالرد عند النزاع إلى من لا يوجد عنده فصل النزاع.
ومنها: أن الناس أجمعوا أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو الرد إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته] [1] .
وفي بيان وفاء الشريعة بمصالح الخلق إلى يوم القيامة، قال ابن القيم رحمه الله [وهذ الأصل من أهم الأصول وأنفعها، وهو مبني على حرف واحد، وهو عموم رسالته صلى الله عليه وسلم بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم وأعمالهم، وأنه لم يحوج أمته إلى أحد ٍ بعده، وإنما حاجتهم إلى من يبلغهم عنه ماجاء به، فلرسالته عمومان محفوظان لايتطرق إليهما تخصيص: عموم بالنسبة إلى المرسَل إليهم، وعموم بالنسبة إلى كل مايحتاج إليه من بُعث إليه في أصول الدين وفروعه، فرسالته كافية شافية عامة، لا تُحْوِج إلى سواها، ولايتم الإيمان به إلا بإثبات عموم رسالته في هذا وهذا، فلا يخرج أحد من المكلفين عن رسالته، ولايخرج نوع من أنواع الحق الذي تحتاج إليه الأمة في علومها وأعمالها عما جاء به.
(1) (اعلام الموقعين) ج 1 ص 49