وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر للأمة منه علمًا، وعلَّمهم كل شيء حتى آداب التخلي وآداب الجماع والنوم والقيام والقعود، والأكل والشرب، والركوب والنزول، والسفر والإقامة، والصَّمْت والكلام، والعزلة والخلطة، والغنى والفقر، والصحة والمرض، وجميع أحكام الحياة والموت، ووصف لهم العرش والكرسي، والملائكة والجن، والنار والجنة ويوم القيامة، ومافيه حتى كأنه رأي عين، وعرَّفهم معبودهم وإلههم أتم تعريف حتى كأنهم يرونه ويشاهدونه بأوصاف كماله ونعوت جلاله، وعَرَّفهم الأنبياء وأممهم وماجرى لهم وماجرى عليهم معهم حتى كأنهم كانوا بينهم، وعرفهم من طرق الخير والشر دقيقها وجليلها مالم يعرفه نبي لأمته قبله، وعرفهم صلى الله عليه وسلم من أحوال الموت ومايكون بعده في البرزخ ومايحصل فيه من النعيم والعذاب للروح والبدن مالم يُعَرّف به نبي غيره، وكذلك عرفهم صلى الله عليه وسلم من أدلة التوحيد والنبوة والمعاد والرد على جميع فرق أهل الكفر والضلال ماليس لمن عرفه حاجة من بعده، اللهم إلا إلى مَنْ يبلغه إياه ويبينه ويوضح منه ماخفي عليه، وكذلك عرفهم صلى الله عليه وسلم من مكايد الحروب ولقاء العدو وطرق النصر والظفر مالو عَلموهُ وعَقَلوه ورَعَوْه حق رعايته لم يقم لهم عدو أبدًا، وكذلك عرفهم صلى الله عليه وسلم من مكايد إبليس وطرقه التي يأتيهم منها وما يتحرزون به من كيده ومكره ومايدفعون به شره مالا مزيد عليه، وكذلك عرفهمص من أحوال نفوسهم وأوصافها ودسائسها وكمائنها مالا حاجة لهم معه إلى سواه، وكذلك عرفهم صلى الله عليه وسلم من أمور معايشهم مالو علموه وعملوه لاستقامت لهم دنياهم أعْظَمَ استقامة.
وبالجملة فجاءهم بخير الدنيا والآخرة بِرُمَّته، ولم يحوجهم الله إلى أحد سواه، فكيف يظن أن شريعته الكاملة التي ما طرق العالم شريعة أكمل منها ناقصة تحتاج إلى «سياسة خارجة عنها تكملها، أو إلى قياس أو حقيقة أو معقول خارج عنها؟ ومن ظن ذلك فهو كمن ظن أن بالناس حاجة إلى رسول آخر بعده، وسبب هذا كله خفاء ماجاء به على من ظن ذلك وقلة نصيبه من الفهم الذي وَفَّقَ الله له أصحاب نبيه الذين اكتفوا بما جاء به، واستغنوا به عما ماسواه، وفتحوا به القلوب والبلاد، وقالوا: هذا عهد نبينا إلينا وهو عهدنا إليكم، وقد كان عمر رضي الله عنه يمنع من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية أن يشتغل الناسُ به عن القرآن، فكيف لو رأى اشتغال الناس بآرائهم وزَبَد أفكارهم وزُبالة أذهانهم عن القرآن والحديث؟ فالله المستعان.
وقد قال الله تعالى: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) العنكبوت: 51، وقال تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) النحل: 89، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ) يونس: 57] [1] .
وبعد:
فقد تبيّن لك مما سبق وجوب العلم قبل القول والعمل، أي وجوب معرفة الحكم الشرعي في أي أمر ٍ يريد العبد أن يفعله قبل أن يفعله. كما تبيّن لك وفاء الشريعة بجميع الأحكام اللازمة للعباد إلى يوم القيامة إذ لا نبيًا بعد نبينا صلى الله عليه وسلم، ولا شريعة بعد شريعته إلى يوم القيامة.
فإذا كان العلم واجبا قبل القول والعمل، فهل يجب على كل مسلم الإحاطة بجميع علوم الشريعة وأحكامها، أم يجب عليه العلم ببعض هذه الأحكام؟.
وما حدّ هذا القدر من العلم الواجب على كل مسلم، أو مايعرف بفرض العين من العلم؟. وهذا هو موضوع المسألة التالية ومايليها من مسائل.
(1) (إعلام الموقعين) ج 4 ص 375 - 377