فهرس الكتاب

الصفحة 453 من 1285

وفي بيان هذا قال ابن تيمية رحمه الله - بعدما ذكر حديث الفطرة - [فالصواب أنها فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهي فطرة الإسلام، وهي الفطرة التي فطرهم عليها يوم قال (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا) ، وهي السلامة من الاعتقادات الباطلة والقبول للعقائد الصحيحة - إلى أن قال - ولا يلزم من كونهم مولودين على الفطرة أن يكونوا حين الولادة معتقدين للإسلام بالفعل، فإن الله أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا، ولكن سلامة القلب وقبوله وإرادته للحق الذي هو الإسلام، بحيث لو تُرِكَ من غير مُغَيّر لما كان إلا مسلمًا] [1] .

وقال ابن القيم أيضا[ثم إن الله سبحانه - لكمال رحمته وإحسانه - لا يعذب أحدًا إلا بعد إرسال الرسول إليه، وإن كان فاعلا لما يستحق به الذم والعقاب: فلله على عبده حجتان قد أعدهما عليه لا يعذبه إلا بعد قيامهما:

إحداهما ما فطره عليه وخلقه عليه من الإقرار بأنه ربه ومليكه وفاطره، وحقه عليه لازم، والثانية إرسال رسله إليه بتفصيل ذلك وتقريره وتكميله فيقوم عليه شاهد الفطرة والشرعة، ويقر على نفسه بأنه كان كافرًا كما قال تعالى: (وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ) الأنعام: 130, فلم ينفذ عليهم الحكم إلا بعد إقرار وشاهدين وهذا غاية العدل.] [2] .

وقال ابن تيمية أيضا [ولهذا كانت الرسل إنما تأتي بتذكير الفطرة ما هو معلوم لها، وتقويته وإمداده ونفي المغير للفطرة، فالرسل بُعثوا بتقرير الفطرة وتكميلها، لا بتغيير الفطرة وتحويلها، والكمال يحصل بالفطرة المكَمَّلة بالشِرعة المنزّلة] [3] .

وقال ابن القيم [ثم أرسل إليهم رسله يذكرونهم بما في فطرهم وعقولهم ويعرفونهم حقه عليهم، وأمره ونهيه ووعده ووعيده] [4] .

وهذا كله يدل على أنه لا تكليف للعباد بالميثاق والفطرة، وأنهما لا يقومان بذاتهما كحجة مستقلة على الخلق. وأن الحجة عليهم إنما تقوم بالرسل، وهي ما تعرف بالحجة الرسالية.

(تنبيه) خطأ الاحتجاج بالميثاق على عدم العذر بالجهل في نقض التوحيد

اطلعت على كتابات لبعض المعاصرين ممن تبنوا القول بعدم العذر بالجهل في نقض التوحيد بالشرك. واحتجوا في ذلك: بآية الميثاق، وبحديث أنس الوارد في معناها (فأبيت إلا أن تشرك بي) ، وبحديث الفطرة. وقد قدمت فيما مضى بيان أنه لا حجة لهم في الاستدلال بهذه النصوص على ذلك.

ثم عمدوا بعد ذلك إلى نوعين من الأدلة:

نوع حمّلوه ما لا يدل عليه ليؤيد وجهة نظرهم، ونوع يخالف وجهة نظرهم صراحة فعمدوا إلى تأويله أو تحريفه لصرفه عن ظاهره. فأخطأوا في هذا كله.

أما النوع الأول من الأدلة التي حملوها على قولهم.

وأن الناس محجوجون بالميثاق ولو لم تبلغهم الحجة الرسالية. فأهمها النصوص الواردة في أن مشركي العرب كفار معذبون في النار قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي نصوص كثيرة ليس لها مَدفع، ومنها:

1 -قول الله تعالى (وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا) آل عمران: 103.

(1) (مجموع الفتاوى) 4/ 245 - 247. ولابن القيم مثله في (أحكام أهل الذمة) ج 2 ص 568 و 609

(2) (أحكام أهل الذمة) ج 2 ص 564 - 565

(3) (مجموع الفتاوى) 16/ 348

(4) (الروح) لابن القيم، ص 224، ط المدني. وانظر أيضا (مفتاح دار السعادة) لابن القيم، 2/ 82، ط دار الفكر. و (تفسير القرطبي) 7/ 317. و (إحياء علوم الدين) للغزالي، 1/ 103

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت