فهرس الكتاب

الصفحة 454 من 1285

2 -وما رواه مسلم عن أنس: أن رجلا قال يا رسول الله أين أبي؟ قال: (في النار) ، فلما قضي الرجل دعاه فقال صلى الله عليه وسلم (إن أبي وأباك في النار) .

3 -وما رواه مسلم عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحِم ويطعم المسكين، هل ذلك نافعه؟ قال صلى الله عليه وسلم (لا ينفعه، إنه لم يقل يومًا رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين) .

4 -ومنها حديث لقيط بن عامر الطويل، وفيه قال (فقلت: يا رسول الله، هل لأحد مما مضى من خير في جاهليتهم. قال فقال رجل من عرض قريش: والله إن أباك المنتفق لفي النار، فلكأنه وقع حر بين جلدي ووجهي مما قال لأبي على رؤوس الناس، فهممت أن أقول: وأبوك يا رسول الله؟ فإذا الأخرى أجمل، فقلت وأهلك يا رسول الله؟ قال: وأهلي لعمر الله ما أتيت عليه من قبر عامري أو قرشي من مشرك فقل أرسلني إليك محمد يبشرك بما يسوءك تجر على وجهك وبطنك في النار) [1] ، وقال ابن القيم [هذا حديث كبير مشهور، جلالة النبوة بادية على صفحاته تنادي عليه بالصدق، وصححه بعض الحفاظ، حكاه شيخ الإسلام الأنصاري] [2] .

فهذه نصوص صريحة في أن بعض مشركي العرب في النار، وهناك نصوص أخرى تدل على كفرهم ولكن ليس فيها وعيد بالنار، ولا تلازم بينهما، فقد يُسمى الرجل كافرًا ولا يعذب حتى تقوم عليه الحجة الرسالية كما ذكرته في آخر الفصل الأول، فمن النصوص الدالة على أنهم كانوا كفارًا قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَاتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ، رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً) البينة: 1 - 2، وقوله تعالى (وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) البقرة: 89، أي كان اليهود يستفتحون على الذين كفروا وهم العرب بنبِيّ يأتي من اليهود. ومن الأدلة على ذلك حديث أبي طالب في وفاته وأن آخر ما قال [إنه على ملة عبد المطلب] [3] ، فدل على أن عبد المطلب مات على الشرك، وذلك قبل البعثة، ومثله حديث نهي الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لأمه [4] ، يدل على أنها ماتت مشركة.

والذي يعنينا هنا النصوص الدالة على أن بعض العرب قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم كفار معذبون في النار.

فطعن قوم في هذه النصوص بأنها أحاديث آحاد ووقائع أعيان لا تعارض النصوص القطعية في أنه لا يعذب أحد حتى تبلغه الحجة الرسالية، وهؤلاء لم تبلغهم. وممن ذهب إلى هذا السيوطي رحمه الله، ورتب على هذا القول بنجاة أبوي النبي صلى الله عليه وسلم من النار، ثم غلا فقال إن الله بعثهما من موتهما فآمنا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وصحح حديثا في ذلك عن طريق الكشف والمنام، وهذا مما عابه عليه العلماء. [5]

وأحب أن أنبه هنا على أن هناك بعض المقدمات والقواعد الفاسدة التي لم تكن معروفة في السلف أدخلها المتكلمون الفقهاء من بعدهم لتأييد أقوالهم وللاحتجاج بها على الخصوم، ومن هذه القواعد: تقسيم الدين إلى أصول وفروع، وتقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز، والقول بأن خبر الآحاد ظني الدلالة لا تثبت به العقائد، والقول بأن وقائع الأعيان لا عموم لها. وستأتي إشارة إلى ذلك في مبحث دراسة أصول الفقه بالباب السابع إن شاء الله.

(1) الحديث رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل في (السنة) ، وابن أبي عاصم والطبراني وابن منده وغيرهم

(2) (مختصر الصواعق المرسلة) لابن القيم، اختصار محمد بن الموصلي، ص 379 - 380، ط دار الكتب العلمية 1405هـ

(3) الحديث متفق عليه

(4) رواه مسلم عن أبي هريرة في الجنائز

(5) انظر (الحاوي للفتاوى) للسيوطي، ج 2 ص 353 - 395، ط المكتبة العصرية 1411 هـ. وتبع السيوطي على ذلك البيجوري في كتابه (تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد) ص 29 - 30

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت