أما من احتج بهذه النصوص فقالوا هؤلاء معذبون قبل بلوغ الحجة الرسالية فدلّ على أنهم محجوجون بالميثاق والإشهاد. وهذا خطأ فقد دلت النصوص المستفيضة على أنه لا يعذب بالنار إلا من بلغته دعوة رسول كقوله تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) الإسراء:15، ومن حمل العذاب في هذه الآية على العذاب الدنيوي بالهلاك ونحوه، يُشكل عليه قوله تعالى (وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ، تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَاتِكُمْ نَذِيرٌ، قَالُوا بَلَى) الملك: 6 - 9 [1] . فلا يدخل النار إلا من بلغته دعوة رسول، ولكن لا يلزم أن يكون الرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم، فالقول بأن مشركي العرب لم تبلغهم الحجة الرسالية لكونهم ماتوا قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم هو قول غير صحيح، فقد قامت عليهم الحجة الرسالية بدين إبراهيم عليه السلام، وإن دخله التحريف إلا أنه كان فيهم من يعرف التوحيد ويحتج عليهم به ومنهم زيد بن عمرو بن نفيل الذي كان يقول لكفار قريش [يا معشر قريش، والله ما منكم على دين إبراهيم غيري] [2] . وروي البخاري عن سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما [أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح قبل أن ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي، فقدمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم سفرة، فأبى أن يأكل منها. ثم قال زيد: إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا ما ذُكر اسم الله عليه. وأن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله، إنكارًا لذلك وإعظامًا له] [3] . وزيد هذا رأي النبي صلى الله عليه وسلم كما في هذا الحديث ولكنه مات قبل البعثة. وعمل بما أمكنه معرفته من دين إبراهيم الحق، وكان كفار قريش يؤذونه على ذلك كما ذكره ابن كثير [4] . وذكر حديث جابر قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زيد بن عمرو بن نفيل أنه كان يستقبل القبلة في الجاهلية ويقول إلهي إله إبراهيم وديني دين إبراهيم ويسجد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يُحشر ذاك أمة وحده بيني وبين عيسى بن مريم) [5] . وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (دخلت الجنة فرأيت لزيد بن عمرو بن نفيل دوحتين) [6] .
فالحجة كانت قائمة على العرب قبل البعثة بدين إبراهيم وكان منهم من هو على بقية من الدين الحق وهم الحنفاء ومنهم زيد بن عمرو، وذكر بعضهم السيوطي [7] ، وكانت قريش تفخر على بقية العرب بأنهم نسل إبراهيم ويسمون أنفسهم الحُمْس كما ورد في أول سيرة ابن هشام [8] . ولهذا قال النووي في شرح حديث (إن أبي وأباك في النار) قال [فيه أن من مات على الكفر فهو في النار ولا تنفعه قرابة المقربين، وفيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره
(1) ومثلها آية الأنعام 130، وآية فاطر 37، وآية الزمر 71
(2) الحديث رواه البخاري (3828)
(3) (حديث 3826)
(4) (البداية والنهاية) 2/ 238
(5) رواه محمد بن عثمان بن أبي شيبة وقال ابن كثير: إسناده جيد حسن (البداية والنهاية) 2/ 241
(6) رواه الباغندي، وقال ابن كثير: وهذا إسناد جيد وليس هو في شيء من الكتب (البداية والنهاية) 2/ 241. وراجع خبر زيد بن عمرو بن نفيل في الموضع المشار إليه من (البداية والنهاية) وفي (فتح الباري) 7/ 142 - 145
(7) (الحاوي للفتاوى) 2/ 391
(8) انظر في هذا (مجموع فتاوى ابن تيمية) 11/ 402، و (الموافقات) للشاطبي، 1/ 175