فهرس الكتاب

الصفحة 456 من 1285

من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم] [1] . وقد دخل التحريف والتبديل على دين إبراهيم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (رأيت عمرو بن لُحيّ بن قمعة بن خندف يجر قَصْبَه في النار، وهو أول من غيرّ دين إبراهيم وسيّب السوائب وبحَّر البَحِيرة) [2] . ومع ذلك كان منهم حنفاء لم يشركوا وكانوا مقرين بالتوحيد إجمالا وإن لم يهتدوا إلى أكثر من ذلك لعدم التمكن، وكتبت لهم النجاة بفعلهم ما تمكنوا منه.

ولا يُشكل على القول بأن العرب قبل البعثة كانوا محجوجين بدين إبراهيم إلا قوله تعالى (لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) القصص: 46، ومثلها السجدة 3، وسبأ 44، ويس 6، فتدل على أنه لم يأت العرب نذير قبل محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن يعارض هذه الآية قوله تعالى (وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ) فاطر: 24، فمقتضاه أنه جاءهم نذير، وهو إبراهيم عليه السلام كما ثبت بالنصوص السابقة. والتوفيق بين هذه النصوص أن المراد بآية القصص ونحوها أنه لم يُبعث نذير إليهم وحدهم [3] ، فإن إبراهيم لم يُبعث إليهم وحدهم، وهناك توفيق آخر. وهو أنه لم يُبعث فيهم رسول من العرب قبل النبي صلى الله عليه وسلم فإن إبراهيم عليه السلام كان في أرض بابل وكنعان بالعراق والشام، وهذا قول القرطبي، ويؤيد هذا الوجه من التوفيق قوله تعالى (لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ) آل عمران: 164، وقال تعالى - حكاية عن إبراهيم - (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ) البقرة: 129 [4] . وعلى هذا فإن آية القصص ونحوها لا تشكل على أن العرب كانوا محجوجين بدين إبراهيم، وأن الذين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم في النار ممن ماتوا قبل بعثته قامت عليهم الحجة الرسالية بدين إبراهيم عليه السلام. وبهذا يظل الضابط الفقهي في هذا الباب صحيحا غير منخرم، وهو أنه لا يدخل النار إلا من قامت عليه الحجة الرسالية إما بدعوة رسول في الدنيا وإما باختبار في عَرصات يوم القيامة.

وعلى هذا فلا حجة في هذه النصوص لمن قال إن مشركي العرب قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم كانوا محجوجين بالميثاق واستحقوا العذاب بدون أن تقوم عليهم الحجة الرسالية.

وبهذا ترى أن النصوص الواردة في كفر بعض العرب وتعذيبهم قبل البعثة أخطأ فيها فريقان: فريق ردّها بدعوى أنها أخبار أحاد ووقائع أعيان لا تعارض النصوص القطعية في أنه لا يعذب أحد حتى تبلغه الحجة الرسالية. وفريق أثبتها واستدل بها على أنهم عذبوا قبل الحجة الرسالية بما قام عليهم من حجة الميثاق. والفريقان المخطئان اتفقا على أن هؤلاء لم تقم عليهم حجة رسالية وكلاهما أخطأ في هذا أيضا.

أما النوع الثاني من الأدلة التي حرّفوها لصرفها عن ظاهرها ليسلم لهم قولهم: إن الناس محجوجون بالميثاق، ومن نقض التوحيد فهو كافر معذب ولو لم تقم عليه الحجة الرسالية. ولما كانت هناك أدلة مشكلة على قولهم هذا فقد حرّفوها، ومنها:

1 -قوله تعالى (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) الإسراء:15.

فقالوا إن العذاب المتوقف على بعثة الرسول هو الإهلاك في الدنيا لا عذاب الآخرة. ولما كان قوله تعالى (تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَاتِكُمْ نَذِيرٌ) الملك: 8، مشكل عليهم، فقالوا هذا خاص ببعض

(1) (صحيح مسلم بشرح النووي) 3/ 79

(2) متفق عليه

(3) وبهذا قال ابن كثير في تفسيره (3/ 563 - 564)

(4) ومثلها البقرة 151، والجمعة 2

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت