فهرس الكتاب

الصفحة 457 من 1285

أهل النار وأن الآية ليست للحصر والعموم وأنها في المكذبين من الكفار لقوله (بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ) الملك: 9، وماذا يفعلون بقوله تعالى (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ) الزمر: 71 [1] ، فليس في هذه الآيات ذكر للتكذيب، وهي نصوص عامة.

وقالوا قولا آخر وهو أن الرسل بُعثوا بالأحكام الشرعية التفصيلية لا التوحيد، وهذا قول المعتزلة وسبق الرد عليه.

وهذا كله من تحريف الدين والتلاعب به.

2 -وأشكل عليهم حديث امتحان من لم تبلغه دعوة رسول في الدنيا في عرصات القيامة، لأن هذا الحديث متمم للحجة الرسالية، فاحتجوا بانكار ابن عبد البر له، وقد سبق رد ابن القيم عليه، فراجعه.

3 -وأشكل عليهم حديث ذات أنواط، وأن الذين طلبوا ذلك لم يكفروا. فقالوا: إنهم طلبوا ولم يفعلوا، وسبق الرد على هذا في آخر الفصل الأول.

4 -وأشكل عليهم حديث الذي شك في قدرة الله على بعثه، ومع ذلك غفر الله له، فقالوا إن معنى (لئن قدر الله علي) إنّ قدر معناها ضيّق أو قضى. وهذا التحريف رد عليه ابن تيمية، فذكر أن الحديث أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعا، قال ابن تيمية [وفي لفظ آخر «أسرف رجل على نفسه فلما حضره الموت أوصى بنيه فقال: إذا أنا مِتُّ فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم اذروني في البحر. فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا. قال: ففعلوا ذلك به. فقال للأرض: أدّ ما أخذت، فإذا هو قائم. فقال له: ما حملك على ما صنعت. قال: خشيتك يا رب. أو قال: مخافتك، فغفر له بذلك» - إلى أن قال - فهذا الرجل ظن أن الله لا يقدر عليه إذا تفرق هذا التفرق، فظن أنه لا يعيده إذا صار كذلك، وكل واحد من انكار قدرة الله تعالى، وانكار معاد الأبدان وإن تفرقت كفر. لكنه كان مع إيمانه بالله وإيمانه بأمره وخشيته منه جاهلًا بذلك، ضالًا في هذا الظن مخطئًا. فغفر الله له ذلك. والحديث صريح في أن الرجل طمع أن لا يعيده إذا فعل ذلك، وأدنى هذا أن يكون شاكا في المعاد، وذلك كفر - إذا قامت حجة النبوة على منكِره حُكِمَ بكفره - هو بين في عدم إيمانه بالله تعالى، ومن تأول قوله: لئن قدر الله علي بمعنى قضى، أو بمعنى ضَيّق، فقد أبعد النجعة، وحَرّف الكلم عن مواضعه، فإنه إنما أمر بتحريقه وتفريقه لئلا يجمع ويعاد. وقال: إذا أنا مِت فأحرقوني ثم اسحقوني، ثم ذروني في الريح في البحر، فوالله لئن قدر علي رب ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا.

فذكر هذه الجملة الثانية بحرف الفاء عقيب الأولى يدل على أنه سبب لها، وأنه فعل ذلك لئلا يقدر الله عليه إذا فعل ذلك، فلو كان مقرًا بقدرة الله عليه إذا فعل ذلك كقدرته عليه إذا لم يفعل لم يكن في ذلك فائدة له، ولأن التقدير عليه والتضيق موافقان للتعذيب، وهو قد جعل تفريقه مغايرًا، لأن يقدر الرب. قال: فوالله! لئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا من العالمين. فلا يكون الشرط هو الجزاء، ولأنه لو كان مراده ذلك لقال: فوالله لئن جازاني ربي أو لئن عاقبني ربي ليعذبني عذابًا، كما هو الخطاب المعروف في مثل ذلك: ولأن لفظ «قدر» بمعنى ضيق لا أصل له في اللغة.

ومن استشهد على ذلك بقوله: (وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) سبأ: 11, وقوله: (وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ) الطلاق: 7 فقد استشهد بما لا يشهد له. فإن اللفظ كان بقوله: (وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) أي اجعل ذلك بقدر، ولا تزد ولا تنقص وقوله: (وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ) أي جعل رزقه قدر ما يغنيه من غير فضل، إذ لو ينقص الرزق عن ذلك لم يعش.

(1) ومثلها الأنعام 130، وفاطر 36 - 37

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت