فهرس الكتاب

الصفحة 458 من 1285

وأما «قَدِرَ» بمعنى قَدَّر. أي أراد تقدير الخير والشر فهو لم يقل: إن قدر علي ربي العذاب، بل قال: لئن قدر علي ربي، والتقدير يتناول النوعين، فلا يصح أن يقال، لئن قضى الله علي، لأنه قد مضى وتقرر عليه ما ينفعه وما يضره، ولأنه لو كان المراد التقدير أو التضييق لم يكن ما فعله مانعا من ذلك في ظنه. ودلائل فساد هذا التحريف كثيرة ليس هذا موضع بسطها، فغاية ما في هذا أنه كان رجلا لم يكن عالما بجميع ما يستحقه الله من الصفات، وبتفصيل أنه القادر، وكثير من المؤمنين قد يجهل مثل ذلك، فلا يكون كافرًا.] [1] .

والعبارة الأخيرة كررها شيخ الإسلام في أكثر من موضع [وأن الجهل ببعض أسماء الله وصفاته لا يكون صاحبه كافرًا، إذا كان مقرًا بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يبلغه العلم بما جهله على وجه يقتضي كفره إذا لم يعلمه، كحديث الذي أمر أهله بتحريقه ثم تذريته] [2] .

والصحيح في شأن هذا الرجل الإسرائيلي أنه كان معه إيمان مجمل ولم يبلغه تفصيل ما يجب لله تعالى لكونه في زمان فترة، فدخل الجنة بما معه من الإيمان القليل شأنه في ذلك شأن زيد بن عمرو بن نفيل الذي سبق ذكر خبره [3] .

فهذه بعض النصوص التي حرّفها القائلون بأن الميثاق حجة، وأن من نقض التوحيد فهو كافر في النار وإن لم تبلغه دعوة رسول.

(تنبيه آخر) على خطأ من أطلق القول بالعذر بالجهل:

اعلم أن الجهل يعذر به ويكون مانعًا من العقوبة في الدنيا ومن العذاب في الآخرة وذلك في أحوال معينة سيأتي التنبيه عليها في الفصل الرابع إن شاء الله. ومنها:

• حديث العهد بالإسلام الذي لم يجد وقتا كافيا للتعلم، والدليل على أن هذا يعذر هو حديث ذات أنواط، وقد سبق الكلام فيه.

• وفي زمان اندراس العلم وندرته، ينجو العبد بما معه من الحق القليل ويُعذر بما لم يبلغه من الحق، ومن أدلة ذلك حديث زيد بن عمرو بن نفيل، وحديث الرجل الذي شك في قدرة الله على بعثه، وحديث حذيفة بن اليمان ومجادلة صلة بن زفر له وسيأتي هذا الحديث في الفصل الرابع إن شاء الله.

فهذه بعض الأحوال التي يُعذر فيها بالجهل، إلا أن بعض المعاصرين اعتبروا هذه الأحوال الاستثنائية هي الأصل، فأطلقوا القول بالعذر بالجهل لكل أحد، وهذا خطأ سيأتي بيانه في الفصل الرابع، ويكفي في بيان فساد إطلاق العذر بالجهل وتعميمه: أن القول به يؤدي إلى إسقاط التكاليف الشرعية جملة، فكل من ترك واجبا أو ارتكب محرما أو توجبت عليه عقوبة فإنه لن يعجز أن يدرأ عن نفسه بدعوى الجهل. ولم يكن الأمر كذلك عند السلف ولم يكن هناك إسراف في العذر بالجهل لديهم، خاصة في القضاء الشرعي ويدرك هذا كل من طالع في كتب أخبار القضاة.

هذا فضلا عن أن إطلاق العذر بالجهل يجعل الجاهل أسعد حالًا في الدنيا والآخرة من العالم المجتهد، لأن الجاهل لن يعاقب في الدنيا ولن يعذب في الآخرة لعذره، أما العالِم فسيعاقب في الدنيا إذا فعل ما يستوجب ذلك وسيعذب في الآخرة على معاصيه في حين يرى الجاهل ناجيا من أهل السعادة في الآخرة. ومقتضى هذا القول أن الجهل خير من العلم وأن عدم بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم خير للبشر من بعثته التي يترتب عليها التكليف والمؤاخذة، وهذه اللوازم في غاية الفساد ومضادة للثابت بالشرع من أن العالم خير من الجاهل وأن العلم خير من الجهل وأن بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم خير

(1) (مجموع الفتاوى) 11/ 408 - 411

(2) (مجموع الفتاوى) 7/ 538، وانظر أيضا في نفس المجلد السابع ص 149، 152، 574

(3) انظر في هذا (مجموع فتاوى ابن تيمية) ج 3/ 231، ج 35/ 166، و (الشفا) للقاضي عياض ج 2/ 1082 - 1085، ط الحلبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت