فهرس الكتاب

الصفحة 459 من 1285

للبشر كما قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) الأنبياء: 107، وفساد هذه اللوازم ينبئك عن فساد ملزومها وهو إطلاق العذر بالجهل.

وقد احتج الذين أطلقوا القول بالعذر بالجهل بنوعين من الأدلة:

1 -نوع منها خاص بالعذر بالجهل في أحوال معينة، فقالوا بتعميمه، فأخطأوا. ومثاله ما ذكرته آنفا، كحديث ذات أنواط، والرجل الذي شك في البعث.

2 -والنوع الآخر: لا يدل على العذر بالجهل، فحمّلوه ما لا يحتمل ليستدلوا به على ذلك، ومن الأمثلة المشهورة لهم:

(أ) حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت (مهما يكتم الناس يعلمه الله) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (نعم) . فقالوا إن عائشة شكت في علم الله ولم تكفر بذلك.

والجواب:

أن هذا الحديث بهذه الرواية خطأ، والصحيح أن الذي قال نعم هي عائشة نفسها، والحديث كما رواه مسلم في آخر كتاب الجنائز من صحيحه: قالت عائشة (مهما يكتم الناس يعلمه الله، نعم) الحديث. قال النووي في شرحه [هكذا هو في الأصول وهو صحيح، وكأنها لما قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله، صدّقت نفسها فقالت: نعم] [1] .

وعلى القول بأن الرواية المذكورة صحيحة فهي تدل على الجهل ببعض صفات الله، وقد نقلت عن ابن تيمية من قبل أن هذا الجهل لا يكفر صاحبه [2] .

هذا وقد ذكر ابن تيمية الرواية غير الصحيحة وهي رواية أحمد في المسند لهذا الحديث [3] ، فلزم التنبيه على ذلك.

(ب) واستدلوا بحديث سجود معاذ بن جبل للنبي صلى الله عليه وسلم [4] ، وفيه أنه لما سجد قال له النبي صلى الله عليه وسلم (ما هذا يا معاذ؟) قال (أتيت الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوددت أن نفعل ذلك بك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم(فلا تفعلوا، فإني لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لغير الله، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) [5] . وأراد قيس بن سعد أن يسجد للنبي صلى الله عليه وسلم تعظيمًا له فنهاه عن ذلك، وحديثه.

وهذا الحديث لا يحتج به في العذر بالجهل إلا إذا ثبت أن معاذًا كان سجوده كفرًا، وهذا غير صحيح وإنما سجد تحية للنبي صلى الله عليه وسلم. وسوف يأتي في شرح قاعدة التكفير في مبحث الاعتقاد بالباب السابع إن شاء الله أن هناك أمورًا (من الأقوال والأفعال) صريحة الدلالة على الكفر، وهناك أمور محتملة الدلالة ولا تصير كفرًا إلا بعد تبيّن قصد فاعلها وأنه أراد بها ما هو كفر. ومن هذه الأمور المحتملة: السجود لغير الله، فقد يفعل عبادة وقد يفعل تحية وكان هذا مشروعًا في الأمم السابقة كما قال تعالى (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا) يوسف: 100، وما دام الأمر محتملا فلا بد من تبين قصد فاعله كما قال الشوكاني رحمه الله [وأما قوله: «ومنها السجود لغير الله» فلا بد من تقييده بأن يكون سجوده هذا قاصدا لربوبية من سجد له، فإنه بهذا السجود قد أشرك بالله عز وجل: وأثبت معه إلهًا آخر، وأما إذا لم يقصد إلا مجرد التعظيم كما يقع كثيرًا لمن دخل على ملوك الأعاجم أنه يقبل الأرض تعظيمًا له فليس هذا من الكفر في شيء، وقد عَلِمَ كل مَن كان مِن الأعلام أن التكفير بالإلزام من أعظم مَزَالق الأقدام، فمن أراد المخاطرة بِدِينه فعلى

(1) (صحيح مسلم بشرح النووي) 7/ 44

(2) انظر (مجموع الفتاوى) 7/ 538، 574، 152، 149

(3) (مجموع الفتاوى) 11/ 412

(4) وهذا ثابت عن معاذ، فيما رواه ابن ماجة بإسناد حسن (1853)

(5) رواه أبو داود (2140)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت